لمكان نظم الكلام ، لأنه لو قال : نعبدك ونستعينك لم يكن له من الحسن ما لقوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ .
ألا ترى أنّه تقدّم قوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ »
« 1 » ، فجاء بعد ذلك قوله :
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
وذاك لمراعاة حسن النظام السجعى الذي هو على حرف النون ، ولو قال « نعبدك ونستعينك » لذهبت تلك الطلاوة وزال ذلك الحسن ، وهذا غير خاف على أحد من الناس فضلا عن أرباب علم البيان » « 2 » .
وهناك أنواع كثيرة من التقديم لا ترجع إلى المسند إليه والمسند ولا إلى متعلقات الفعل عليه وإنما ترجع إلى أمور كثيرة ، بحثها الزركشي « 3 » في أنواع التقديم والتأخير ، وقسمها إلى ما قدم والمعنى عليه ، وما قدم والنية به التأخير ، والقسم الأول واسع فسيح ومقتضياته كثيرة ذكر منها خمسة وعشرين لونا ، وأهمها :
- السبق : كقوله تعالى :
« وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى »
« 4 » .
- الذات : كقوله تعالى :
« ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ، وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ »
« 5 » .
- العلة والسببية : كقوله تعالى :
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
« 6 » لأن العبادة سبب حصول الإعانة .
- المرتبة : كقوله تعالى :
« غَفُورٌ رَحِيمٌ »
« 7 » ، لأنّ المغفرة سلامة والرحمة غنيمة ، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة .
هامش
( 1 ) الفاتحة 2 - 4 .
( 2 ) المثل السائر ج 2 ص 39 ، وينظر الطراز ج 2 ص 66 .
( 3 ) البرهان في علوم القرآن ج 3 ص 239 .
( 4 ) الأحزاب 7 .
( 5 ) المجادلة 7 .
( 6 ) الفاتحة 5 .
( 7 ) البقرة 173 ، وآيات كثيرة .