تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
إحداهما : أن يكون الفاعل المؤنث ضميرا متصلا ؛ ولا فرق في ذلك بين حقيقيّ التأنيث ومجازيّه ؛ فالحقيقيّ نحو : « هند قامت » فهند : مبتدأ ، وقام : فعل ماض ، والفاعل [ ضمير ] مستتر في الفعل ، والتقدير : قامت هي ، والتاء علامة التأنيث ، وهي واجبة لما ذكرناه ، والمجازيّ نحو : « الشّمس طلعت » وإعرابه ظاهر ، ولمّا مثّلت به في المقدمة للتأنيث الواجب علم أن وجوب التأنيث مع الحقيقيّ من باب أولى ، بخلاف ما لو عكست ، فأما قول الشاعر :
77 - إنّ السّماحة والمروءة ضمّنا * قبرا بمرو على الطريق الواضح
ولم يقل « ضمّنتا » فضرورة . الثانية : أن يكون الفاعل اسما ظاهرا متصلا حقيقيّ التأنيث : مفردا ، أو تثنية له ، أو جمعا بالألف والتاء ؛ فالمفرد كقوله تعالى :
إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ
[ آل عمران ، 35 ] والمثنى كقولك : قامت الهندان ، والجمع كقولك : قامت الهندات ؛ فأما قوله :
شرح
77 - هذا بيت من الكامل من كلام زياد الأعجم مولى عبد القيس ، من قصيدة له تعد من نادر الكلام ونقي المعاني ، يرثي فيها المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة . اللّغة : « مرو » أشهر مدن خراسان وقصبتها ، وبينها وبين نيسابور سبعون فرسخا ويقال لها « مرو الشاهجان » ، وعلى بعد خمسة أيام منها مدينة أخرى يقال لها « مرو الروذ » . الإعراب : « إن » حرف توكيد ونصب ، « السماحة » اسم إن ، « والمروءة » معطوف عليه ، « ضمّنا » ضمن فعل ماض مبني للمجهول ، وألف الاثنين نائب فاعل ، مبني على السكون في محل رفع ، وهو المفعول الأول ، « قبرا » مفعول ثان لضمن « بمرو » جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لقبر « على الطريق » جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة ثانية لقبر ، « الواضح » صفة للطريق . الشّاهد فيه : قوله « ضمّنا » فإن « ضمّن » فعل ماض مسند إلى ضمير المؤنث ، وهو الألف العائدة إلى السماحة والمروءة ، وكان من حقه أن يؤنث هذا الفعل فيقول « ضمنتا » ، لأن كل فعل أسند إلى ضمير مؤنث يجب تأنيثه ، سواء أكان هذا المؤنث الذي يعود إليه الضمير مؤنثا حقيقي التأنيث أم كان مؤنثا مجازي التأنيث ؛ فترك الشاعر في هذا البيت تأنيث الفعل جار على خلاف الواجب ، وذلك شاذ لا يقاس عليه في السعة ، ومن أحكام ما يشذ عن المطرد الجاري على ألسنة العرب أنه ليس لنا أن نستعمل مثله لا في نثرنا ، وهو بديهي ، ولا في شعرنا ؛ لأن ما كان يجوز للعرب من الضرائر في أشعارهم لا يجوز لنا في أشعارنا ، فافهم هذا .