ثم قلت : ولا يحذفان ، بل يستتران ، ويحذف عاملهما : جوازا ، نحو « زيد »
شرح
المعنى : يريد أن أعداءه قد دبروا له ليوقعوه في شر يتفاقم خطبه ويتطاير شرره ، وأن المقادير هيأت له من ينذره بما بيتوه له ، فكان ذلك سببا في حفظه من الوقوع في الشر .
الإعراب : « أتيح » فعل ماض مبني للمجهول ، « لي » جار ومجرور ، وهو نائب فاعل أتيح ، « من العدا » جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من قوله نذيرا الآتي ، وكان أصله صفة له ؛ فلما تقدم عليه أعرب حالا ، « نذيرا » مفعول به ثان لأتيح منصوب بالفتحة الظاهرة ، « به » جار ومجرور متعلق بوقيت الآتي ، « وقيت » وقي : فعل ماض مبني للمجهول ، وتاء المتكلم نائب فاعل ، « الشر » مفعول ثاني لوقي ، ومفعوله الأول هو نائب الفاعل ، « مستطيرا » حال من الشر .
الشّاهد فيه : قوله « أتيح لي نذيرا » فإن أتيح فعل ماض مبني للمجهول ، وأصل هذا الفعل وهو مبني للمعلوم يتعدى إلى مفعولين يصل لأحدهما بنفسه وللآخر باللام ، فتقول : أتاح اللّه لي ظروفا حسنة ، فلفظ الجلالة هو الفاعل ، والجار والمجرور أحد المفعولين ، وظروفا : هو المفعول الثاني ، ولو أردت أن تبني هذا الفعل للمجهول في مثالنا كنت تقول : أتيحت لي ظروف حسنة ؛ فتغير صورة الفعل ، وتسنده إلى المفعول الذي كان يتعدى إليه بنفسه ، وتترك الجار والمجرور ، إلا أن هذا الشاعر لما بنى الفعل للمجهول أسنده إلى الجار والمجرور مع ذكر المفعول به ؛ بدليل أن هذا المفعول به منصوب ، وهذا جائز عند الكوفيين والأخفش ، ومقصور على ضرورة الشعر عند سائر البصريين .
ومما ورد منه واستدل به أنصار الكوفيين والأخفش قول جرير يهجو الفرزدق :ولو ولدت قفيرة جرو كلب * لسبّ بذلك الجرو الكلابافقوله « بذلك » جار ومجرور هو نائب فاعل لقوله « سب » الذي هو فعل ماض مبني للمجهول ، و « الكلابا » مفعول ثان منصوب بالفتحة الظاهرة ، فأنت ترى جريرا قد أقام الجار والمجرور مقام الفاعل مع وجود المفعول به حينما اضطرته قافية البيت لذلك .
ومثل هذا البيت أيضا قول الراجز ، وينسب إلى رؤبة بن العجاج :لم يعن بالعلياء إلّا سيّدا * ولا شفى ذا الغيّ إلّا ذو هدىفقوله « يعن » فعل مضارع مبني للمجهول ، وقوله « بالعلياء » جار ومجرور ، وهو نائب فاعله ، وقوله « سيدا » مفعول به ثان ليعن المبني للمجهول ، وقد أناب هذا الراجز الجار والمجرور كما ترى مع وجود المفعول به ، والدليل على أنه أناب الجار والمجرور ولم ينب المفعول به أنه أتى بالمفعول به منصوبا ، ولو أنابه لرفعه ؛ لما علمت أن من أحكام إنابة المفعول به أنه يرتفع بعد أن كان منصوبا .
ومثل هذه الشواهد قول الشاعر :