تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
أحلت ، ومن البيّن في ذلك المثل : " أتعلمني بضبّ أنا حرشته ؟ " وعليه قوله تعالى :
وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ
[ التّوبة : الآية 101 ] أي لا يعلمهم إلا نحن ، ولا يطلع على أسرارهم غيرنا ؛ لإبطانهم الكفر في سويداوات قلوبهم . الثاني : ما لا يفيد إلا تقوّي الحكم وتقرّره في ذهن السامع وتمكّنه ، كقولك : " وهو يعطي الجزيل " لا تريد أن غيره لا يعطي الجزيل ، ولا أن تعرّض بإنسان ، ولكن تريد أن تقرر في ذهن السامع وتحقّق أنه يفعل إعطاء الجزيل . وسبب تقوّيه هو أن المبتدأ يستدعي أن يستند إليه شيء ، فإذا جاء بعده ما يصلح أن يستند إليه صرفه إلى نفسه ، فينعقد بينهما حكم ، سواء كان خليا عن ضميره نحو " زيد غلامك " أو متضمنا نحو " أنا عرفت ، وأنت عرفت ، وهو عرف أو زيد عرف " ثم إذا كان متضمنا لضميره صرفه ذلك الضمير إليه ثانيا ؛ فيكتسي الحكم قوة . ومما يدل على أن التقديم يفيد التأكيد أن هذا الضرب من الكلام يجيء . فيما سبق فيه إنكار من منكر ، نحو أن يقول الرجل : " ليس لي علم بالذي تقول " فتقول : " أنت تعلم أن الأمر على ما أقول " وعليه قوله تعالى :
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[ آل عمران : الآية 75 ] لأن الكاذب - لا سيما في الدين - لا يعترف بأنه كاذب ، فيمتنع أن يعترف بالعلم بأنه كاذب . وفيما اعترض فيه شك ، نحو أن تقول للرجل : " كأنك لا تعلم ما صنع فلان " فيقول : " أنا أعلم " . وفي تكذيب مدّع ، كقوله تعالى :
وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ
[ المائدة : الآية 61 ] فإن قولهم : " آمنا " دعوى منهم أنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به . وفيما يقتضي الدليل أن لا يكون ، كقوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
( 20 ) [ النّحل : الآية 20 ] فإن مقتضى الدليل أن لا يكون ما يتّخذ إلها مخلوقا . وفيما يستغرب ، كقولك : " ألا تعجب من فلان ؟ يدّعي العظيم وهو يعيا باليسير " . وفي الوعد والضّمان ، كقولك للرجل : " أنا أكفيك ، أنا أقوم بهذا الأمر " لأن من شأن من تعده وتضمن له أن يعترضه الشك في إنجاز الوعد والوفاء بالضمان ؛ فهو من أحوج شيء إلى التأكيد . وفي المدح والافتخار ؛ لأن من شأن المادح أن يمنع السامعين من الشك فيما
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 57 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني