تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
إذ المعنى أن هذا السقم الموجود والضّرم الثابت ؛ ما أنا جالب لهما ، فالقصد إلى نفي كونه فاعلا لهما لا إلى نفيهما ، ولهذا لا يقال : " ما أنا قلت ، ولا أحد غيري " لمناقضة منطوق الثاني مفهوم الأول ، بل يقال : " ما قلت أنا ولا أحد غيري " ولا يقال : " ما أنا رأيت أحدا من الناس " ولا " ما أنا ضربت إلا زيدا " بل يقال : " ما رأيت " أو " ما رأيت أنا أحدا من الناس " و " ما ضربت " أو " ما ضربت أنا إلا زيدا " لأن المنفي في الأول الرؤية الواقعة على كلّ واحد من الناس ، وفي الثاني الضرب الواقع على كل واحد منهم سوى زيد ، وقد سبق أن ما يفيد التقديم ثبوته لغير المذكور ، هو ما نفي عن المذكور ، فيكون الأول مقتضيا لأن إنسانا غير المتكلم قد رأى كلّ الناس ، والثاني مقتضيا لأن إنسانا غير المتكلم قد ضرب من عدا زيدا منهم ، وكلاهما محال . وعلّل الشيخ عبد القاهر والسكاكيّ امتناع الثاني بأن نقض النفي ب " إلّا " يقتضي أن يكون القائل له قد ضرب زيدا ، وإيلاء الضمير حرف النفي يقتضي أن لا يكون ضربه ، وذلك تناقض . وفيه نظر لأنا لا نسلّم إيلاء الضمير حرف النفي يقتضي ذلك . فإن قيل : الاستثناء الذي فيه مفرغ ، وذلك يقتضي أن لا يكون ضرب أحدا من الناس ، وذلك يستلزم أن لا يكون ضرب زيدا . قلنا : إن لزم ذلك فليس للتقديم ؛ لجريانه في غير صورة التقديم أيضا ، كقولنا : ما ضربت إلا زيدا . هذا إذا ولي المسند إليه حرف النفي ، وإلا فإن كان معرفة كقولك : " أنا فعلت " كان القاصد إلى الفاعل ، وينقسم قسمين : أحدهما : ما يفيد تخصيصه بالمسند ؛ للرد على من زعم انفراد غيره به ، أو مشاركته فيه ، كقولك : أنا كتبت في معنى فلان ، وأنا سعيت في حاجته ، ولذلك إذا أردت التأكيد قلت للزاعم في الوجه الأول : أنا كتبت في معنى فلان لا غيري ، ونحو ذلك ، وفي الوجه الثاني : أنا كتبت في معنى فلان وحدي ، ونحو ذلك . فإن قلت : " أنا فعلت كذا وحدي " في قوة " أنا فعلته لا غيري " فلم اختص كل منهما بوجه من التأكيد دون وجه ؟ قلت : لأن جدوى التأكيد لما كانت إماطة شبهة خالجت قلب السامع ، وكانت في الأول أن الفعل صدر من غيرك ، وفي الثاني أنه صدر منك ؛ بشركة الغير ؛ أكّدت وأمطت الشبهة في الأول بقولك : " غيري " وفي الثاني بقولك : " وحدي " لأنه محزّه ، ولو عكست
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 56 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني