فوحة ، كما يقال : شمة ، واستعماله بهذا المعنى في الشر استعارة ؛ إذ أصله أن يستعمل في الخير ، يقال : له نفحة طيبة ، أي هبّة من الخير .
وذهب أيضا إلى أن قوله تعالى :
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
[ مريم : الآية 45 ] بالتنكير - دون " عذاب الرحمن " بالإضافة - إما للتهويل ، أو لخلافه ، والظاهر أنه لخلافه ، وإليه ميل الزمخشري ؛ فإنه ذكر أن إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم لم يخل هذا الكلام من حسن الأدب مع أبيه ، حيث لم يصرح فيه أن العذاب لا حق له لاصق به ، ولكنه قال :
إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
[ مريم : الآية 45 ] فذكر الخوف ، والمس ، ونكّر العذاب .
وأما التنكير في قوله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[ البقرة : الآية 179 ] فيحتمل النوعية والتعظيم ، أي لكم في هذا الجنس من الحكم - الذي هو القصاص - حياة عظيمة ؛ لمنعه عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحد متى اقتدروا ، أو نوع من الحياة ، وهو الحاصل للمقتول والقاتل بالارتداع عن القتل للعلم بالاقتصاص ، فإن الإنسان إذا همّ بالقتل تذكّر الاقتصاص فارتدع ، فسلم صاحبه من القتل وهو من القود ، فتسبب لحياة نفسين .
ومن تنكير غير المسند إليه للنوعية
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً
[ النّمل : الآية 58 ] أي وأرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا ، يعني الحجارة ، ألا ترى إلى قوله تعالى :
فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ
[ النّمل : الآية 58 ] ؟ وللتحقير
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا
[ الجاثية : الآية 32 ] .
وأما وصفه فلكون الوصف تفسيرا له كاشفا عن معناه ، كقولك : الجسم الطويل العريض العميق محتاج إلى فراغ يشغله ، ونحوه في الكشف قول أوس : [ بن حجر ]
الألمعيّ الذي يظنّ بك الظنّ * كأن قد رأى وقد سمعا " 1 "
حكي أن الأصمعي سئل عن الألمعي ، فأنشده ، ولم يزد ، وكذا قوله تعالى :
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً
( 21 ) [ المعارج : الآيات 19 - 21 ] قال الزمخشري : الهلع ، سرعة الجزع عند مسّ المكروه ، وسرعة المنع عند مسّ الخير ، ومن قولهم : ناقة هلوع ، سريعة السير ، وعن أحمد بن يحيى : قال لي محمد بن
هامش
( 1 ) البيت من المنسرح ، وهو لأوس بن حجر في ديوانه ص 53 ، ولسان العرب ( حظرب ) ، ( لمع ) ، وتهذيب اللغة 2 / 424 ، وديوان الأدب 1 / 273 ، وكتاب الجيم 3 / 214 ، والكامل ص 1400 ، وذيل أمالي القالي ص 34 ، ومعاهد التنصيص 1 / 128 ، ولأوس أو لبشر بن أبي خازم في تاج العروس ( لمع ) ، وبلا نسبة في مقاييس اللغة 5 / 212 .