تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
وللنوعية قوله تعالى :
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ
[ البقرة : الآية 96 ] ، أي نوع من الحياة مخصوص ، وهو الحياة الزائدة كأنه قيل : ولتجدنّهم أحرص الناس وإن عاشوا ما عاشوا على أن يزدادوا إلى حياتهم في الماضي والحاضر حياة في المستقبل ، فإن الإنسان لا يوصف بالحرص على شيء إلا إذا لم يكن ذلك الشيء موجودا له حال وصفه بالحرص عليه ، وقوله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
[ النّور : الآية 45 ] يحتمل الإفراد والنوعية أي خلق كل فرد من أفراد الدواب من نطفة معينة ، أو كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع المياه . أو للتعظيم والتهويل أو للتحقير ، أي ارتفاع شأنه أو انحطاطه إلى حدّ لا يمكن معه أن يعرف ، كقول ابن أبي السّمط :
له حاجب عن كل أمر يشينه * وليس له عن طالب العرف حاجب " 1 "
أي له حاجب أيّ حاجب ، وليس له حاجب ما . أو للتكثير ، كقولهم : إن له لإبلا ، وإن له لغنما ، يريدون الكثرة . وحمل الزمخشري التنكير في قوله تعالى :
قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً
[ الشّعراء : الآية 41 ] عليه . أو للتقليل ، كقوله تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ
[ التّوبة : الآية 72 ] أي شيء من رضوانه أكبر من ذلك كله ؛ لأن رضاه سبب كلّ سعادة وفلاح ، من النعم ، وإنما تهنأ له برضاه ، كما إذا علم بسخطه تنغّصت عليه ، ولم يجد لها لذة وإن عظمت . وقد جاء التعظيم والتكثير جميعا ، كقوله تعالى :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
[ فاطر : الآية 4 ] أي رسل ذوو عدد كثير ، وآيات عظام ، وأعمار طويلة ، ونحو ذلك . والسكاكيّ لم يفرق بين التعظيم والتكثير ، ولا بين التحقير والتقليل ؛ ثم جعل التنكير في قولهم : " شرّ أهرّ ذا ناب " للتعظيم ، وفي قوله تعالى :
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ
[ الأنبياء : الآية 46 ] لخلافه ، وفي كليهما نظر ، أما الأول فلما سيأتي ، وأما الثاني فلأن خلاف التعظيم مستفاد من البناء للمرة ومن نفس الكلمة ، لأنها إما من قولهم : نفحت الريح ، إذا هبّت ، أي هبة ، أو من قولهم : نفح الطّيب ، إذا فاح ، أي
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لأبي الطمحان القيني في ديوان المعاني 1 / 127 ، ولابن أبي السمط في معاهد التنصيص 1 / 127 ، ولمروان بن أبي حفصة في شرح شواهد المغني ص 909 ، وبلا نسبة في أمالي القالي 1 / 238 ، ومغني اللبيب ص 577 .