وصلت قولهم : " ما أبعد ما فات ، وما أقرب ما هو آت " لم يكن بدّ من إجراء كل من الفاصلتين على ما يقتضيه حكم الإعراب ، فيفوت الغرض من السجع ؟ وإذا رأيتهم يخرجون الكلم عن أوضاعها للازدواج في قولهم : " إني لآتيه بالغدايا والعشايا " أي :
بالغدوات ؛ فما ظنّك بهم في ذلك ؟
وقيل : إنه لا يقال : في القرآن أسجاع ، وإنما يقال : فواصل .
وقيل : السجع غير مختص بالنثر ، ومثاله من الشعر قول أبي تمام :
تجلّى به رشدي ، وأثرت به يدي * وفاض به ثمدي ، وأورى به زندي " 1 "
وكذا قول الخنساء :
حامي الحقيقة ، محمود الخليقة * مهديّ الطريقة ، نفّاع ، وضرّار " 2 "
وكذا قول الآخر :
ومكارم أوليتها متبرّعا * وجرائم ألغيتها متورّعا " 3 "
وهو ظاهر التكلف ، وهذا القائل لا يشترط التقفية في العروض والضرب ، كقوله :
[ ناصر بن عبد السيد المطرزي ]
وزند ندى فواضله وريّ * وزند ربى فضائله نضير " 4 "
* * * ومن السجع على هذا القول ما يسمى التشطير ، وهو أن يجعل كل من شطري البيت سجعة مخالفة لأختها ، كقول أبي تمام :
تدبير معتصم باللّه ، منتقم * للّه ، مرتغب في اللّه ، مرتقب " 5 "
ومنه ما يسمى التصريع ، وهو جعل العروض مقفّاة تقفية الضرب ، كقول أبي فراس : [ الحمداني ]
بأطراف المثقّفة العوالي * تفرّدنا بأوساط المعالي " 6 "
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان أبي تمام 2 / 66 .
( 2 ) البيت من البسيط ، وهو في ديوان الخنساء ص 70 .
( 3 ) البيت من الكامل ، وهو بلا نسبة في الإشارات والتنبيهات ص 273 .
( 4 ) البيت من الوافر ، وهو لأبي الفتح المطرزي ( ناصر بن عبد السيد ) في وفيات الأعيان 5 / 27 ، ونهاية الأرب 7 / 105 .
( 5 ) البيت من البسيط ، وهو في ديوان أبي تمام 1 / 58 .
( 6 ) البيت من الوافر ، وهو في شرح ديوان أبي فراس الحمداني ص 134 .