وشرط حسن السجع اختلاف قرينتيه في المعنى كما مر ، لا كقول ابن عباد في مهزومين : " طاروا واقين بظهورهم صدورهم ، وبأصلابهم نحورهم " ، قيل : وأحسن السجع ما تساوت قرائنه ، كقوله تعالى :
فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ( 28 ) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ( 29 ) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ
( 30 ) [ الواقعة : الآيات 28 - 30 ] ، ثم ما طالت قرينته الثانية ، كقوله :
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ( 1 ) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى
( 2 ) [ النّجم : الآيتان 1 ، 2 ] أو الثالثة ، كقوله تعالى :
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ
( 31 ) [ الحاقّة : الآيتان 30 ، 31 ] ، وقول أبي الفضل الميكالي : " وله الأمر المطاع والشّرف اليفاع ، والعرض المصون ، والمال المضاع " .
وقد اجتمعا في قوله تعالى :
وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
( 3 ) [ العصر : الآيات 1 - 3 ] .
ولا يحسن أن تولى قرينة قرينة أقصر منها كثيرا ؛ لأن السجع إذا استوفى أمده من الأولى لطولها ، ثم جاءت الثانية أقصر منها كثيرا ، يكون كالشئ المبتور ويبقى السامع كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها . والذوق يشهد بذلك ، ويقضي بصحته .
ثم السجع ، إما قصير ، كقوله تعالى :
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً ( 1 ) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً
( 2 ) [ المرسلات : الآيتان 1 ، 2 ] .
أو طويل ، كقوله تعالى :
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 43 ) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
( 44 ) [ الأنفال : الآيتان 43 ، 44 ] .
أو متوسط ، كقوله تعالى :
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ( 1 ) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
( 2 ) [ القمر : الآيتان 1 ، 2 ] .
ومن لطيف السجع قول البديع الهمذاني " 1 " من كتاب له إلى ابن فريقون : " كتابي والبحر وإن لم أره ؛ فقد سمعت خبره ، والليث وإن لم ألقه ؛ تصورت خلقه ، والملك العادل وإن لم أكن لقيته ، قد لقيني صيته ، ومن رأى من السيف أثره ، فقد رأى أكثره " .
واعلم أن فواصل الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الأعجاز ، موقوفا عليها ؛ لأن الغرض أن يزاوج بينها ، ولا يتم ذلك في كل صورة إلا بالوقف ، ألا ترى أنك لو
هامش
( 1 ) هو بديع الزمان الهمذاني ، أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد ، أبو الفضل الحافظ ، سكن خراسان ومات بهراة سنة 398 ه ، من تصانيفه : رسائل ، مشهورة ، المقامات . ( كشف الظنون 5 / 69 ) .