وكذلك قوله : " راعنا " يحتمل " راعنا نكلّمك " أي : ارقبنا وانتظرنا ويحتمل شبه كلمة عبرانيّة ، أو سريانية كانوا يتسابّون بها ، وهي " راعينا " فكانوا سخرية بالدين وهزءا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يكلمونه بكلام محتمل ، ينوون به الشتيمة والإهانة ، ويظهرون به التوقير والاحترام .
ثم قال : فإن قلت : كيف جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا :
" سَمِعْنا وَعَصَيْنا ؟ "
، قلت : جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ، ولا يواجهونه بالسبّ ودعاء السوء ، ويجوز أن يقولوه فيما بينهم ، ويجوز أن لا ينطقوا بذلك ، ولكنهم لما لم يؤمنوا به جعلوا كأنهم نطقوا به .
قال السكاكي : ومنه متشابهات القرآن باعتبار .
ومنه الهزل الذي يراد به الجد ؛ فترجمته تغني عن تفسيره ، ومثاله قول الشاعر :
[ أبو نواس ]
إذا ما تميميّ أتاك مفاخرا * فقل : عدّ عن ذا ، كيف أكلك للضّب " 1 "
ومنه قول امرئ القيس :
وقد علمت سلمى وإن كان بعلها * بأن الفتى يهذي وليس بفعّال " 2 "
* * * ومنه تجاهل العارف ، وهو - كما سمّاه السكاكي - سوق المعلوم مساق غيره لنكتة ، كالتوبيخ في قول الخارجية : [ ليلى بنت طريف ]
أيا شجر الخابور ما لك مورقا * كأنّك لم تجزع على ابن طريف " 3 "
والمبالغة في المدح في قول البحتري :
ألمع برق سرى ، أم ضوء مصباح * أم ابتسامتها بالمنظر الضّاحي " 4 "
أو في الذم كقول زهير :
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لأبي نواس في الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم 1 / 111 .
( 2 ) البيت من الطويل ، وهو لامرىء القيس في ديوانه ص 34 ، وشرح عمدة الحافظ ص 459 .
( 3 ) البيت من الطويل ، وهو لليلى بنت طريف في الأغاني 12 / 85 ، والحماسة الشجرية 1 / 328 ، والدرر 2 / 163 ، وشرح شواهد المغني ص 148 ، ولليلى أو لمحمد بن بجرة في سمط اللآلي ص 913 ، وللخارجية في الأشباه والنظائر 5 / 310 .
( 4 ) البيت من البسيط ، وهو في ديوان البحتري 1 / 442 .