نهبت من الأعمار ما لو حويته * لهنّئت الدنيا بأنك خالد " 1 "
فإنه مدحه ببلوغه النهاية في الشجاعة إذ كثر قتلاه ، بحيث لو ورث أعمارهم لخلد في الدنيا ، على وجه استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها ؛ حيث جعل الدنيا مهنّأة بخلوده .
قال علي بن عيسى الربعيّ : وفيه وجهان آخران من المدح ، أحدهما أنه نهب الأعمار دون الأموال ، والثاني أنه لم يكن ظالما في قتل أحد من مقتوليه ؛ لأنه لم يقصد بذلك إلا صلاح الدنيا وأهلها فهم مسرورون ببقائه .
* * * ومنه الإدماج ، وهو أن يضمّن كلام سيق لمعنى معنى آخر ، فهو أعمّ من الاستتباع ، ومثاله قول أبي الطيب :
أقلب فيه أجفاني ، كأني * أعدّ بها على الدهر الذّنوبا " 2 "
فإنه ضمّن وصف الليل بالطول الشّكاية من الدهر .
وقول ابن المعتز في الخيريّ :
قد نفض العاشقون ما صنع * الهجر بألوانهم على ورقه " 3 "
فإن الغرض وصف الخيري بالصفرة ، فأدمج الغزل في الوصف .
وفيه وجه آخر من الحسن ، وهو إيهام الجمع بين متنافيين ، أعني الإيجاز والإطناب ، أما الإيجاز فمن جهة الإدماج ، وأما الإطناب فلأن أصل المعنى أنه ؛ فاللفظ زائد عليه لفائدة .
ومنه قول ابن نباتة :
ولا بدّ لي من جهلة في وصاله * فمن لي بخلّ أودع الحلم عنده ؟ ! " 4 "
فإنه ضمّن الغزل الفخر بكونه حليما ، المكنى عنه بالاستفهام عن وجود خل صالح لأن يودعه حلمه ، وضمّن الفخر بذلك - بإخراج الاستفهام مخرج الإنكار - شكوى الزمان لتغيّر الإخوان ، حتى لم يبق فيهم من يصلح لهذا الشأن ، ونبه بذلك على أنه لم
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان المتنبي 2 / 72 .
( 2 ) البيت من الوافر ، وهو في ديوان المتنبي 1 / 239 .
( 3 ) البيت من المنسرح ، وهو لابن المعتز في الإشارات والتنبيهات ص 258 .
( 4 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان ابن نباتة ( عبد العزيز بن عمر ) 1 / 338 .