تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
يعزم على مفارقة حلمه جملة أبدا ، ولكن إذا كان مريدا لوصل هذا المحبوب المستلزم للجهل المنافي للحلم ؛ عزم على أنه إن وجد من يصلح لأن يودعه حلمه أودعه إيّاه ، فإن الودائع تستعاد . قيل : ومنه قول الآخر يهنىء بعض الوزراء لما استوزر : [ عبيد اللّه بن عبد اللّه ]
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا * وأسعفنا فيمن نحبّ ونكرم " 1 " فقلت له : نعماك فيهم أتمّها * ودع أمرنا ؛ إن المهمّ المقدّم
فإنه أدمج شكوى الزمان وما هو عليه من اختلال الأحوال في التهنئة . وفيه نظر ؛ لأن شكوى الزمان مصرّح بها في صدره ، فكيف تكون مدمجة ؟ ! ولو عكس فجعل التهنئة مدمجة في الشكوى أصاب . * * * ومنه التوجيه ، وهو : إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين ، كقول من قال لأعور يسمّى عمرا : [ بشار بن برد ]
خاط لي عمرو قباء * ليت عينيه سواء " 2 "
وعليه قوله تعالى :
وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا
[ النساء : الآية 46 ] . قال الزمخشري : " غير مسمع " حال من المخاطب ، أي اسمع وأنت غير مسمع ، وهو قول ذو وجهين . يحتمل الذم ، أي : اسمع منا مدعوّا عليك ب " لا سمعت " لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع . فكان أصمّ غير مسمع ، قالوا ذلك اتكالا على أن قولهم : " لا سمعت " دعوة مستجابة . أو اسمع غير مجاب ما تدعو إليه ، ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك ، فكأنك لم تسمع شيئا . أو اسمع غير مسمع كلاما ترضاه ، فسمعك عنه ناب . ويجوز على هذا أن يكون " غير مسمع " مفعول " اسمع " أي : اسمع كلاما غير مسمع إياك ؛ لأن أذنك لا تعيه نبوّا عنه . ويحتمل المدح ، أي : اسمع غير مسمع مكروها من قولك : " أسمع فلان فلانا " إذا سبّه .
هامش
( 1 ) البيتان لعبد اللّه بن طاهر في العمدة 1 / 41 ، والطراز 3 / 157 ، 158 ، وعقود الجمان 2 / 128 . ( 2 ) البيت من مجزوء الرمل ، وهو لبشار بن برد في ديوانه ص 12 .