تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
لا تنكري عطل الكريم من الغنى * فالسّيل حرب للمكان العالي " 1 "
علّل عدم إصابة الغنى بالقياس على عدم إصابة السيل المكان العالي كالطّود العظيم ، من جهة أن الكريم - لاتّصافه بعلو القدر - كالمكان العالي ، والغنى لحاجة الخلق إليه كالسيل . ومن لطيف هذا الضرب قول أبي هلال العسكري :
زعم البنفسج أنه كعذاره * حسنا ، فسلّوا من قفاه لسانه " 2 "
وقول ابن نباتة في صفة فرس :
وأدهم يستمدّ الليل منه * وتطلع بين عينيه الثّريّا " 3 " سرى خلف الصباح يطير مشيا * ويطوي خلفه الأفلاك طيّا فلما خاف وشك الفوت منه * تشبّت بالقوائم والمحيّا
وأما الثاني فكقول أبي الطيب :
ما به قتل أعاديه ، ولكن * يتّقي إخلاف ما ترجو الذّئاب " 4 "
فإن قتل الملوك أعداءهم في العادة لإرادة هلاكهم ، وأن يدفعوا مضارّهم عن أنفسهم ؛ حتى يصفو لهم ملكهم من منازعتهم ، لا لما ادّعاه من أن طبيعة الكرم قد غلبت عليه ، ومحبته أن يصدّق رجاء الراجين بعثته على قتل أعدائه ؛ لما علم أنه كلما غدا للحرب غدت الذئاب تتوقع أن يتسع عليها الرزق من قتلاهم . وهذا مبالغة في وصفه بالجود ، ويتضمن المبالغة في وصفه بالشجاعة على وجه تخييليّ ، أي تناهى في الشجاعة حتى ظهر ذلك للحيوانات العجم ، فإذا غدا للحرب رجت الذئاب أن تنال من لحوم أعدائه . وفيه نوع آخر من المدح ، وهو أنه ليس ممن يسرف في القتل طاعة للغيظ والحنق . وكقول أبي طالب المأمونيّ في بعض الوزراء ببخارى : [ عبد السّلام بن الحسين ]
مغرم بالثناء ، صبّ بكسب * المجد ، يهتزّ للسماح ارتياحا " 5 "
هامش
( 1 ) البيت من الكامل ، وهو في ديوان أبي تمام 3 / 77 . ( 2 ) البيت من الكامل ، وهو في ديوان المعاني 2 / 24 . ( 3 ) الأبيات من الوافر ، وهي في أسرار البلاغة ص 192 ، 249 . ( 4 ) البيت من الرمل ، وهو في ديوان المتنبي 1 / 188 . ( 5 ) البيتان من الخفيف ، وهما في أسرار البلاغة ص 338 .