تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
وقول أبي الطيّب :
فلا الجود يفني المال والجدّ مقبل * ولا البخل يبقي المال والجدّ مدبر " 1 "
ومثال مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى :
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ( 5 ) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ( 6 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى ( 8 ) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى ( 9 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى
( 10 ) [ الليل : الآيات 5 - 10 ] . فإن المراد ب " استغنى " أنه زهد فيما عند اللّه ، كأنه مستغن عنه ؛ فلم يتّق ، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة ؛ فلم يتّق . قيل : وفي قول أبي الطيّب :
أزورهم وسواد الليل يشفع لي * وأنثني وبياض الصبح يغري بي " 2 "
مقابلة خمسة بخمسة ، على أن المقابلة الخامسة بين " لي " و " بي " . وفيه نظر ؛ لأن اللام والباء فيهما صلتا الفعلين ؛ فهما من تمامهما . وقد رجّح بيت أبي الطيّب على بيت أبي دلامة بكثرة المقابلة ، مع سهولة النظم ، وبأن قافية هذا ممكنة وقافية ذاك مستدعاة ، فإن ما ذكره غير مختص بالرجال . وبيت أبي دلامة على بيت أبي الطيب بجودة المقابلة ، فإن ضدّ الليل المحض هو النهار لا الصبح . ومن لطيف المقابلة ما حكي عن محمد بن عمران التيمي إذ قال له المنصور : " بلغني أنك بخيل " فقال : " يا أمير المؤمنين ما أجمد في حقّ ولا أذوب في باطل " . وقال السكاكي : المقابلة : أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضدّيهما ، ثم إذا شرطت هنا شرطا هناك ضدّه ، كقوله تعالى :
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى
[ الليل : الآية 5 ] الآيتين ، لما جعل التيسير مشتركا بين الإعطاء والاتقاء والتصديق ، جعل ضده وهو التعشير مشتركا بين أضداد تلك ، وهي المنع والاستغناء والتكذيب . ومنه مراعاة النظير وتسمّى التناسب والائتلاف والتوفيق أيضا ، وهي أن يجمع في الكلام بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد ، وكقوله تعالى :
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
( 5 ) [ الرّحمن : الآية 5 ] وقول بعضهم للمهلّبي " 3 " الوزير : " أنت أيها الوزير إسماعيليّ الوعد ،
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو ليس في ديوان المتنبي ، وهو لعبد اللّه بن طاهر في الأغاني 6 / 43 . ( 2 ) البيت من البسيط ، وهو في ديوان المتنبي 2 / 210 . ( 3 ) الوزير المهلبي : هو الحسن بن محمد بن هارون بن إبراهيم بن عبد اللّه المهلبي ، أبو محمد الوزير لمعز الدولة بن بويه الديلمي ، ولد بالبصرة سنة 291 ه ، وتوفي في طريق واسط ، وحمل ودفن ببغداد سنة 352 ه ، صنف : ديوان الرسائل ، ديوان شعره ، كتاب في أصول النحو ، كتاب اللغة في مخارج الحروف . ( كشف الظنون 5 / 270 ) .