تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
ومأجوج ، وهما حسّيان ، والجامع لهما ما يشاهد من شدة الحركة والاضطراب . وأما قوله تعالى :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
[ مريم : الآية 4 ] فليس مما نحن فيه وإن عدّ منه لأن فيه تشبيهين : تشبيه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته ، وتشبيه انتشاره في الشعر باشتعالها في سرعة الانبساط مع تعذر تلافيه ، والأول استعارة بالكناية ، والجامع في الثاني عقلي ، وكلامنا في غيرهما . وأما استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي فكقوله تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
[ يس : الآية 37 ] فإن المستعار فيه كشط الجلد وإزالته عن الشاة ونحوها ، والمستعار له إزالة الضوء عن مكان الليل وملقى ظله ، وهما حسيان ، والجامع لهما ما يعقل من ترتّب أمر على آخر . وقيل : المستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل ، وليس بسديد ؛ لأنه لو كان ذلك لقال :
فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
[ الأعراف : الآية 201 ] ونحوه ، ولم يقل :
فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ
[ يس : الآية 37 ] أي : داخلون في الظلام . قيل : ومنه قوله تعالى :
إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ
[ الذاريات : الآية 41 ] فإن المستعار منه المرأة ، والمستعار له الريح ، والجامع المنبع من ظهور النتيجة والأثر ؛ فالطرفان حسيان ، والجامع عقلي . وفيه نظر لأن العقيم صفة للمرأة لا اسم لها ، وكذلك جعلت صفة للريح لا اسما . والحق إن المستعار منه ما في المرأة من الصفة التي تمنع من الحمل ، والمستعار له ما في الريح من الصفة التي تمنع من إنشاء مطر وإلقاح شجر ، والجامع لهما ما ذكر . وأما استعارة محسوس لمحسوس بما بعضه حسي وبعضه عقلي فكقولك : " رأيت شمسا " وأنت تريد إنسانا شبيها بالشمس في حسن الطلعة ونباهة الشأن ، وأهمل السكاكي هذا القسم . وأما استعارة معقول لمعقول فكقوله تعالى :
مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا
[ يس : الآية 52 ] فإن المستعار منه الرقاد ، والمستعار له الموت ، والجامع لهما عدم ظهور الأفعال ، والجميع عقلي . وأما استعارة محسوس لمعقول فكقوله تعالى :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[ الحجر : الآية 94 ] فإن المستعار منه صدع الزجاجة - وهو كسرها - وهو حسي ، والمستعار له تبليغ الرسالة ، والجامع لهما التأثير ، وهما عقليان كأنه قيل : أبن الأمر إبانة لا تنمحي كما لا يلتئم صدع الزجاجة .