تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
وأما الذي في الثاني فهو أنه قال : " عليه " فعدّى الفعل إلى ضمير الممدوح ب " على " فأكد مقصوده من كونه مطاعا في الحيّ . وكما في قوله :
فرعاء ، إن نهضت لحاجتها * عجل القضيب وأبطأ الدّعص " 1 "
إذ وصف القضيب بالعجلة ، والدّعص بالبطء . وقد تحصل الغرابة بالجمع بين عدة استعارات لإلحاق الشكل بالشكل ، كقول امرئ القيس :
فقلت له لما تمطّى بصلبه * وأردف أعجازا ، وناء بكلكل " 2 "
أراد وصف الليل بالطول ؛ فاستعار له صلبا يتمطى به إذ كان كل ذي صلب يزيد في طوله عند تمطّيه شيء ، وبالغ في ذلك بأن جعل له أعجازا يردف بعضها بعضا ، ثم أراد أن يصفه بالثّقل على قلب ساهره ، والضغط لمكابده ؛ فاستعار له كلكلا ينوء به ، أي : يثقل به . وقال الشيخ عبد القاهر : لما جعل لليل صلبا تمطّى به ثنّى ذلك فجعل له أعجازا قد أردف بها الصّلب ، وثلّث فجعل له كلكلا قد ناء به ؛ فاستوفى له جملة أركان الشخص ، وراعى ما يراه الناظر من سواه إذا نظر قدّامه ، وإذا نظر خلفه ، وإذا رفع البصر ومدّه في عرض الجوّ . وأما باعتبار الثلاثة - أعني الطرفين ، والجامع - فستة أقسام : استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسّيّ ، أو بوجه عقلي ، أو بما بعضه حسّيّ وبعضه عقلي ، وباستعارة معقول لمعقول ، واستعارة محسوس لمعقول ، واستعارة معقول لمحسوس ، كل ذلك بوجه عقلي ، لما مر . أما استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي فكقوله تعالى :
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ
[ طه : الآية 88 ] فإن المستعار منه ولد البقرة ، والمستعار له الحيوان الذي خلقه اللّه تعالى من حليّ القبط التي سبكتها نار السامري عند إلقائه فيها التربة التي أخذها من موطىء حيزوم فرس جبرائيل عليه السّلام ، والجامع لهما الشكل ، والجميع حسّي . وكقوله تعالى :
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ
[ الكهف : الآية 99 ] فإن المستعار منه حركة الماء على الوجه المخصوص ، والمستعار له حركة الإنس والجن ، أو يأجوج
هامش
( 1 ) البيت من الكامل ، وهو في المثل السائر ص 139 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان امرئ القيس ص 18 ، ولسان العرب ( كلل ) ، والمقاصد النحوية 4 / 127 .