تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
وكقوله تعالى :
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
[ البقرة : الآية 61 ] جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم ؛ فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه ، أو ملصقة بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه ؛ فالمستعار منه إما ضرب القبة على الشخص ، وإما ضرب الطين على الحائط ، وكلاهما حسي ، والمستعار له حالهم مع الذلة ، والجامع الإحاطة أو اللزوم وهما عقليان . وأما استعارة معقول لمحسوس ، فكقوله تعالى :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ
[ الحاقّة : الآية 11 ] فإن المستعار له كثرة الماء وهو حسي ، والمستعار منه التكبّر ، والجامع الاستعلاء المفرط ، وهما عقليان . وأما باعتبار اللفظ فقسمان : لأنه إن كان اسم جنس فأصليّة ، كأسد ، وقتل . وإلا فتبعيّة ، كالأفعال والصفات المشتقة منها ، والحروف ، لأن الاستعارة تعتمد التشبيه ، والتشبيه يعتمد كون المشبه موصوفا ، وإنما يصلح للموصوفية الحقائق ، كما في قولك : جسم أبيض ، وبياض صاف دون معاني الأفعال ، والصفات المشتقة منها ، والحروف . فإن قلت : فقد قيل في نحو " شجاع باسل وجواد فيّاض وعالم نحرير " إنّ " باسلا " وصف ل " شجاع " و " فياضا " وصف ل " جواد " و " نحريرا " وصف ل " عالم " . قلت : ذلك متأوّل بأن الثواني لا تقع صفات إلا لما يكون موصوفا بالأول . فالتشبيه في الأفعال والصفات المشتقة منها لمعاني مصادرها ، وفي الحروف لمتعلقات معانيها ، كالمجرور في قولنا : زيد في نعمة ورفاهية فيقدر التشبيه في قولنا : " نطقت الحال بكذا " والحال ناطقة بكذا للدلالة بمعنى النطق . وعليه في التهكمية قوله تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ آل عمران : الآية 21 ] بدل : " فأنذرهم " ، وقوله تعالى :
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
[ هود : الآية 87 ] بدل : " السفيه الغوي " . وفي لام التعليل كقوله تعالى :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[ القصص : الآية 8 ] للعداوة والحزن الحاصلين بعد الالتقاط ، بالعلة الغائيّة للالتقاط . ومما يتصل بهذا أن " يا " حرف وضع في أصله لنداء البعيد ، ثم استعمل في مناداة القريب ؛ لتشبيهه بالبعيد ، باعتبار أمر راجع إليه ، أو إلى المنادى . أما الأول فكقولك لمن سها وغفل وإن قرب : يا فلان .
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 226 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني