تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
هذا المورد كان لها نوع من السرور عجيب - فكانت كالنعمة التي لا تكدّرها المنّة ، وكالغنيمة من حيث لا تحتسب ، وفي قوله : " حين يمتدح " فائدة شريفة ، وهي الدلالة على اتّصاف الممدوح - على ما احتشد له من تزيينه ، وقصده من تفخيم شأنه في عيون الناس - بالإصغاء إليه ، والارتياح له ، والدلالة بالبشر وإطلاقه على حسن موقعه عنده . ومنه قوله تعالى حكاية عن مستحلّي الربا :
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا
[ البقرة : الآية 275 ] فإن مقتضى الظاهر أن يقال : إنما الربا مثل البيع ؛ إذ الكلام في الربا لا في البيع ، فخالفوا لجعلهم الربا في الحلّ حالا من البيع وأعرف به . ومنه قوله عز وجل :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
[ النّحل : الآية 17 ] ؟ ! فإن مقتضى الظاهر العكس ، لأن الخطاب للذين عبدوا الأوثان ، وسمّوها آلهة ؛ تشبيها باللّه سبحانه وتعالى . فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق . فخولف في خطابهم لأنهم بالغوا في عبادتها ، وغلوا حتى صارت عندهم أصلا في العبادة والخالق سبحانه فرعا فجاء الإنكار على وفق ذلك . وقال السكاكي : عندي أن المراد بمن لا يخلق : الحيّ العالم القادر من الخلق ؛ تعريضا بإنكار تشبيه الأصنام باللّه عز وجل ، وقوله :
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
( 155 ) [ الصّافات : الآية 155 ] تنبيه توبيخ عليه . ونحوه قوله تعالى :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
[ الفرقان : الآية 43 ] بدل : أرأيت من اتخذ هواه إلهه ؟ ! وقد يكون الغرض العائد إلى المشبه به : بيان الاهتمام به ، كتشبيه الجائع وجها كالبدر في الإشراق والاستدارة بالرغيف ؛ إظهارا للاهتمام بشأن الرغيف لا غير ، وهذا يسمى إظهار المطلوب . قال السكاكي : ولا يحسن المصير إليه إلا في مقام الطمع في تسنّي المطلوب كما يحكى عن الصاحب : أن قاضي سجستان دخل عليه ، فوجده الصاحب متفنّنا ، فأخذ يمدحه ، حتى قال :
وعالم يعرف بالسّجري
وأشار للندماء أن ينظموا على أسلوبه ، ففعلوا واحدا بعد واحد ، إلى أن انتهت النّوبة إلى شريف في البيت ، فقال :
أشهى إلى النّفس من الخبز
فأمر الصاحب أن تقدّم له مائدة . هذا كله إذا أريد إلحاق الناقص في وجه الشبه حقيقة أو ادّعاء بالزائد . فإن أريد
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 184 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني