تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
تزجي أغنّ كأن إبرة روقه " 1 "
رحمته وقلت : " قد وقع ، ما عساه يقول وهو أعرابيّ جلف جاف ؟ " فلما قال :
قلم أصاب من الدّواة مدادها " 2 "
استحالت الرحمة حسدا ، فهل كانت رحمته في الأولى والحسد في الثانية ، إلا لأنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أول الفكر شبه ، وحين أتمه صادفه قد ظفر بأقرب صفة من أبعد موصوف ؟ وذكر الشيخ عبد القاهر رحمه اللّه للاستطراف في تشبيه البنفسج بنار الكبريت وجها آخر ، وهو أنه أراك شبها لنبات غضّ يرفّ وأوراق رطبة ؛ من لهب نار في جسم مستول عليه اليبس ، ومبنى الطّباع وموضوع الجبلة على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه وخرج من موضع ليس بمعدن له ؛ كانت صبابة النفوس به أكثر ، وكان الشغف به أجدر . وأما الثاني فيكون في الغالب إيهام أن المشبه به أتمّ من المشبه في وجه الشبه وذلك في التشبيه المقلوب ، وهو أن يكون بالعكس ، كقول محمد بن وهيب : [ الحميري ]
وبدا الصّباح كأن غرّته * وجه الخليفة حين يمتدح " 3 "
فإنه قصد إيهام أن وجه الخليفة أتمّ من الصباح في الوضوح والضياء . واعلم أن هذا وإن كان في الظاهر يشبه قولهم : " لا أدري وجهه أنور أم الصبح ؟ وغرّته أضوأ أم البدر ؟ " وقولهم إذا أفرطوا : " نور الصباح يخفى في ضوء وجهه " أو " نور الشمس مسروق من نور جبينه " ونحو ذلك من وجوه المبالغة ؛ فإن في الأول خلابة وشيئا من السحر ليس في الثانية ، وهو أنه كأنه يستكثر للصباح أن يشبّهه بوجه الخليفة ، ويوهم أنه احتشد له واجتهد في تشبيه يفخّم به أمره ؛ فيوقع المبالغة في نفسك من حيث لا تشعر ، ويفيدكها من غير أن يظهر ادّعاؤه لها ؛ لأنه وضع كرمه وضع من يقيس على أصل متّفق عليه ، لا يشفق من خلاف مخالف وتهكم متهكم ، والمعاني إذا وردت على النفس
هامش
( 1 ) انظر الحاشية التالية . ( 2 ) هو عجز البيت ، والبيت من الكامل وهو في ديوان عدي بن الرقاع ص 35 ، ولسان العرب ( بلد ) ، ( قرش ) ، ( زجا ) ، وأساس البلاغة ( أبر ) ، وطبقات فحول الشعراء ص 707 ، وتاج العروس ( قرش ) ، ( زجا ) ، والطرائف الأدبية ص 88 ، والأغاني 9 / 357 . ( 3 ) البيت من الكامل ، وهو لمحمد بن وهيب في الإشارات والتنبيهات ص 171 ، ومعجم الشعراء ص 358 .