وأما تقسيم التشبيه ؛ فباعتبار طرفيه أربعة أقسام :
الأول : تشبيه المفرد بالمفرد ، وهو ما طرفاه مفردان ، إما غير مقيدين كتشبيه الخدّ بالورد ونحوه ، وعليه قوله تعالى :
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
[ البقرة : الآية 187 ] فإن قلت : ما وجه الشبه في الآية ؟ قلت : جعله الزمخشري حسّيّا ، فإنه قال : لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ، ويشتمل كلّ واحد منهما على صاحبه في عناقه ؛ شبّه باللّباس المشتمل عليه ، قال الجعدي : [ قيس بن عبد اللّه ]
إذا ما الضّجيع ثنى عطفها * تثنّت ، فكانت عليه لباسا " 1 "
وقيل : شبه كل واحد منهما باللباس للآخر ؛ لأنه يصونه من الوقوع في فضيحة الفاحشة ، كاللباس الساتر للعورة .
وإما مقيدان ، كقولهم لمن لا يحصل من سعيه على شيء : هو كالقابض على الماء ، وكالراقم في الماء . فإن المشبه : هو الساعي ، لا مطلقا ، بل مقيّدا بكون سعيه كذلك ، والمشبه به : هو القابض أو الراقم ، لا مطلقا ، بل مقيدا بكون قبضه على الماء ، أو رقمه فيه ؛ لأن وجه الشبه فيهما هو التسوية بين الفعل وعدمه في عدم الفائدة ، والقبض على الماء والرقم فيه كذلك . لأن فائدة قبض اليد على الشيء أن يحصل فيها فإذا كان مما لا يتماسك ، فقبضها عليه وعدمه سواء ، وكذلك القصد بالرقم في الشيء :
أن يبقى أثره فيه ، فإذا فعل فيما لا يقبله ، كان عليه كعدمه . فالقيد في هاتين الصورتين هو الجار والمجرور .
ونحوهما قولهم : هو كمن يجمع سيفين في غمد ، وقولهم : هو كمبتغي الصيد في عرّيسة الأسد ، وقد يكون حالا .
كقولهم : هو كالحادي وليس له بعير .
ومما طرفاه مقيدان قول الشاعر :
إني وتزييني بمدحي معشرا * كمعلّق درّا على خنزير " 2 "
فإن المشبه فيه : هو المتكلم بقيد اتصافه بتزيينه بمدحه معشرا ، فمتعلق التزيين - أعني قوله : بمدحي - داخل في المشبه ، والمشبه به من يعلّق درّا ، بقيد أن يكون تعليقه
هامش
( 1 ) البيت من المتقارب ، وهو للنابغة الجعدي في ديوانه ص 81 ، ومقاييس اللغة 5 / 230 ، وتهذيب اللغة 12 / 444 ، ومجمل اللغة 4 / 262 ، وتاج العروس ( لبس ) ، ولسان العرب ( لبس ) ، والشعر والشعراء ص 302 .
( 2 ) البيت من الكامل ، وهو بلا نسبة في أسرار البلاغة ص 174 .