تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
وكذا ما كتب به الصاحب إلى القاضي أبي الحسن ، وقد أهدى له الصاحب عطر القطر :
يا أيها القاضي الذي نفسي له * مع قرب عهد لقائه مشتاقه " 1 " أهديت عطرا مثل طيب ثنائه * فكأنما أهدي له أخلاقه
فإنه لما كان الثناء يشبّه بالعطر ويشتقّ له منه ؛ تخيّله شيئا له رائحة طيبة وشبّه العطر به ، ليوهم أنه أصل في الطّيب ، وأحقّ به منه . وكذا قول الآخر : [ العلوي الأصفهاني ]
كأنّ انتضاء البدر من تحت غيمة * نجاء من البأساء بعد وقوع " 2 "
فإنه لما رأى الخلاص من شدّة يشبّه بخروج البدر من تحت الغيم بانحساره عنه ؛ قلب التشبيه ليري أن صورة النجاء من البأساء لكونها مطلوبة فوق كل مطلوب - أعرف من صورة انتضاء البدر من تحت غيمه . وإذا علم أن وجه الشبه هو ما يشترك فيه الطرفان ؛ علم فساد جعله في قول القائل : " النحو في الكلام كالملح في الطعام " كون القليل مصلحا والكثير مفسدا . لأن القلّة والكثرة إنما يتصوّر جريانهما في الملح ، وذلك بأن يجعل منه في الطعام القدر المصلح أو أكثر منه ، دون النحو . فإنه إذا كان من حكمه رفع الفاعل ونصب المفعول - مثلا - فإن وجد ذلك في الكلام فقد حصل النحو فيه ، وانتفى الفساد عنه ، وصار منتفعا به في فهم المراد منه ، وإلا لم يحصل وكان فاسدا لا ينتفع به . فالوجه فيه : هو كون الاستعمال مصلحا ، والإهمال مفسدا ؛ لاشتراكهما في ذلك . ومما يتصل بهذا ، ما حكي أن ابن شرف القيرواني ، أنشد ابن رشيق قوله :
غيري جنى ، وأنا المعاتب فيكم * فكأنني سبّابة المتندّم " 3 "
وقال له : " هل سمعت هذا المعنى ؟ " فقال ابن رشيق : " سمعته وأخذته أنت ، وأفسدته " أما الأخذ فمن النابغة الذبياني ، حيث يقول :
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وهل يأثمن ذو إمّة وهو طائع " 4 "
هامش
( 1 ) الرجز ، ولم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو في أسرار البلاغة ص 200 ، والمفتاح ص 147 . ( 3 ) البيت بلا نسبة في المطوّل شرح تلخيص مفتاح العلوم ص 271 . ( 4 ) البيتان من الطويل ، وهما للنابغة الذبياني في ديوانه ص 35 ، 37 ، ولسان العرب ( أمم ) ، ( عرر ) ، ومقاييس اللغة 1 / 28 ، وكتاب العين 8 / 428 ، وتهذيب اللغة 15 / 635 ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 247 ، ومجمل اللغة 1 / 152 .
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 171 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني