وقتي الحضور وقت يخلو منه . فإنما يصلح لأن يراد أن القمر إذا نقص نوره لم يوال الطلوع في كل ليلة ، بل يظهر في بعض الليالي دون بعض . وليس الأمر كذلك ، لأنه - على نقصانه - يطلع كل ليلة حتى تكون السّرار .
وكذا ينظر إلى بعده وارتفاعه ، وقرب ضوئه وشعاعه ، في نحو ما مضى من بيتي البحتري ، وإلى ظهوره في كل مكان ، كما في قول أبي الطيّب :
كالبدر من حيث التفتّ وجدته * يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا " 1 "
إلى غير ذلك .
ثم النظر في أركان التشبيه - وهي أربعة : طرفاه ، ووجهه ، وأداته - وفي الغرض منه ، وفي تقسيمه بهذه الاعتبارات .
أما طرفاه فهما :
إما حسّيّان ، كما في تشبيه الخدّ بالورد ، والقدّ بالرّمح ، والفيل بالجبل ، في المبصرات ، والصّوت الضعيف بالهمس في المسموعات ، والنّكهة بالعنبر في المشمومات ، والريق بالخمر في المذوقات ، والجلد الناعم بالحرير في الملموسات .
وإما عقليان ، كما في تشبيه العلم بالحياة .
وإما مختلفان ، والمعقول هو المشبّه كما في تشبيه المنيّة بالسّبع أو بالعكس ، كما في تشبيه العطر بخلق كريم .
والمراد بالحسّيّ : المدرك هو - أو مادّته - بإحدى الحواسّ الظاهرة ، فدخل فيه الخيالي ، كما في قوله : [ الصنوبري ، أحمد محمد الحلبي ]
وكأن محمرّ الشقيق * إذا تصوّب أو تصعّد " 2 "
أعلام ياقوت نشر * ن على رماح من زبرجد
وقوله :
كلّنا باسط اليد * نحو نيلوفر ندي " 3 "
كدبابيس عسجد * قضبها من زبرجد
هامش
( 1 ) البيت من الكامل ، وهو في ديوان المتنبي 1 / 156 .
( 2 ) البيتان من مجزوء الكامل ، وهما للصنوبري في المصباح ص 116 ، وأسرار البلاغة ص 158 ، والطراز 1 / 275 .
( 3 ) البيتان من مجزوء المتدارك ، وهما في أسرار البلاغة ص 158 .