تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
والمراد بالعقلي : ما عدا ذلك . فدخل فيه الوهميّ ، وهو ما ليس مدركا بشيء من الحواسّ الخمس الظاهرة ، مع أنه لو أدرك لم يدرك إلا بها ، كما في قول امرئ القيس :
ومسنونة زرق كأنياب أغوال " 1 "
وعليه قوله تعالى :
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
( 65 ) [ الصّافات : الآية 65 ] وكذا ما يدرك بالوجدان ، كاللّذة ، والألم ، والشّبع ، والجوع . وأما وجهه : فهو المعنى الذي يشترك فيه الطرفان ، تحقيقا أو تخييلا . والمراد بالتخييل : أن لا يمكن وجوده في المشبّه به إلا على تأويل ، كما في قول القاضي التنوخي :
وكأنّ النجوم بين دجاها * سنن لاح بينهن ابتداع " 2 "
فإن وجه الشبه فيه : الهيئة الحاصلة من حصول أشياء مشرقة بيض في جوانب شيء مظلم أسود ؛ فهي غير موجودة في المشبّه به إلا على طريق التخييل . وذلك : أنه لما كانت البدعة والضلالة وكلّ ما هو جهل ؛ يجعل صاحبها في حكم من يمشي في الظلمة ، فلا يهتدي إلى الطريق ، ولا يفصل الشيء من غيره . فلا يأمن أن يتردّى في مهواة ، أو يعهر على عدوّ قاتل ، أو آفة مهلكة - شبّهت بالظّلمة ، ولزم - على عكس ذلك - أن تشبه السنّة والهدى ، وكلّ ما هو علم بالنور ، وعليهما قوله تعالى :
وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
[ المائدة : الآية 16 ] . وشاع ذلك ، حتى وصف الصّنف الأول بالسّواد ، كما في قول القائل : " شاهدت سواد الكفر من جبين فلان " . والصّنف الثاني بالبياض ، كما في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " أتيتكم بالحنيفيّة البيضاء " " 3 " وذلك لتخييل أن السّنن ونحوها من الجنس الذي هو إشراق أو ابيضاض في العين ، وأن البدعة ونحوها على خلاف ذلك . فصار تشبيه النجوم ما بين الدّياجي بالسّنن ما بين
هامش
( 1 ) صدر البيت :أيقتلني والمشرفيّ مضاجعيوالبيت من الطويل ، وهو لامرىء القيس في ديوانه ص 33 ، ولسان العرب ( غول ) ، ( شطن ) ، وتهذيب اللغة 8 / 193 ، وجمهرة اللغة ص 961 ، وتاج العروس ( زرق ) ، وبلا نسبة في المخصص 8 / 111 . ( 2 ) البيت من الخفيف ، وهو للقاضي التنوخي في المصباح ص 110 ، ونهاية الإيجاز ص 190 . ( 3 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ ، وروي الحديث بلفظ : " بعثت بالحنيفية السمحة " أخرجه بهذا اللفظ أحمد في المسند 5 / 266 ، 6 / 116 ، 233 .
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 169 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني