تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
ومن الدليل على أن للإحساس من التحريك للنفس ، وتمكين المعنى ما ليس لغيره : أنك إذا كنت أنت وصاحب لك يسعى في أمره ، على طرف نهر ، وأنت تريد أن تقرّر له : أنه لا يحصل من سعيه على طائل ، فأدخلت يدك في الماء ، ثم قلت له : " انظر ، هل حصل في كفي من الماء شيء ؟ فكذلك أنت في أمرك " كان لذلك ضرب من التأثير في النفس ، وتمكين المعنى في القلب ، زائد على القول المجرد . ومنها : الاستطراف ، كما سيأتي . ومن فضائل التشبيه : أنه يأتيك من الشيء الواحد بأشباه عدّة ، نحو أن يعطيك من الزّند بإيرائه ، شبه الجواد ، والذّكيّ ، والنّجح في الأمور ، وبإصلاده شبه البخيل ، والخيبة في السعي ومن القمر الكمال عن النقصان ، كما قال أبو تمّام :
لهفي على تلك الشواهد فيهما * لو أمهلت حتى تصير شمائلا " 1 " لغدا سكوتهما حجى ، وصباهما * حلما ، وتلك الأريحيّة نائلا ولأعقب النّجم المردّ بديمة * ولعاد ذاك الطّلّ جودا وابلا إن الهلال إذا رأيت نموّه * أيقنت أن سيصير بدرا كاملا
والنقصان عن الكمال ، كقول أبي العلاء المعري :
وإن كنت تبغي العيش فابغ توسّطا * فعند التّناهي يقصر المتطاول " 2 " توقّى البدور النقص وهي أهلّة * ويدركها النقصان وهي كوامل
وتتفرع من حالتي كماله ونقصه فروع لطيفة ، كقول ابن بابك في الأستاذ أبي عليّ - وقد استوزره ، وأبا العباس الضّبّي - فخر الدولة بعد وفاة ابن عباد :
وأعرت شطر الملك شطر كماله * والبدر في شطر المسافة يكمل " 3 "
وقول أبي بكر الخوارزمي : [ محمد بن العباس ]
أراك إذا أيسرت خيمت عندنا * مقيما ، وإن أعسرت زرت لماما " 4 " فما أنت إلا البدر ، إن قلّ ضوؤه * أغبّ ، وإن زاد الضياء أقاما
المعنى لطيف وإن لم تساعده العبارة على ما يجب . لأن الإغباب أن يتخلّل بين
هامش
( 1 ) الأبيات من الكامل ، وهي في الأسرار ص 115 ، وكتاب الصناعتين ص 200 . ( 2 ) البيتان من الطويل . ( 3 ) البيت من الكامل ، وهو في أسرار البلاغة ص 116 . ( 4 ) البيتان من الطويل ، وهما في أسرار البلاغة ص 116 ، وزهر الآداب 2 / 115 .
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 167 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني