تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
ثم اللفظ المراد به لازم ما وضع له : إن قامت قرينة على عدم إرادة ما وضع : فهو له مجاز ، وإلا فهو كناية . ثم المجاز منه الاستعارة ، وهي ما تبتنى على التشبيه ، فيتعين التعرض له . فانحصر المقصود في التّشبيه والمجاز ، والكناية ، وقدّم التشبيه على المجاز لما ذكرنا من ابتناء الاستعارة التي هي مجاز على التشبيه ، وقدّم المجاز لنزول معناه من معناها منزلة الجزء من الكلّ .

القول في التشبيه

التشبيه : الدلالة على مشاركة أمر لآخر في معنى . والمراد بالتشبيه هاهنا : ما لم يكن على وجه الاستعارة التحقيقية ، ولا الاستعارة بالكناية ، ولا التجريد . فدخل فيه ما يسمّى تشبيها بلا خلاف . وهو ما ذكرت فيه أداة التشبيه ، كقولنا : " زيد كالأسد " أو " كالأسد " بحذف " زيد " لقيام قرينة . وما يسمّى تشبيها على المختار كما سيأتي ، وهو ما حذفت فيه أداة التشبيه ، وكان اسم المشبّه به خبرا للمشبّه ، أو في حكم الخبر ، كقولنا : " زيد أسد " وكقوله تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
( 18 ) [ البقرة : الآية 18 ] أي : هم ، ونحوه قول من يخاطب الحجّاج : [ عمران بن حطان ]
أسد عليّ ، وفي الحروب نعامة * فتخاء تنفر من صفير الصّافر " 1 "
وكقولنا : " رأيت زيدا بحرا " . وإذا قد عرّفت معنى التشبيه في الاصطلاح ؛ فاعلم أنه مما اتفق العقلاء على شرف قدره ، وفخامة أمره في فنّ البلاغة ، وأن تعقيب المعاني به - يضاعف قواها في تحريك النفوس إلى المقصود بها مدحا كانت أو ذمّا ، أو افتخارا ، أو غير ذلك . وإن أردت تحقيق هذا فانظر إلى قول البحتري :
دان على أيدي العفاة وشاسع * عن كل ندّ في النّدى ، وضريب " 2 "
هامش
( 1 ) البيت من الكامل ، وهو لرجل من الخوارج في جمهرة اللغة ص 923 ، ولعمران بن حطان في الأغاني 18 / 122 . ( 2 ) البيتان من البسيط ، وهما في الأسرار ص 98 ، 112 ، 272 ، والوساطة ص 204 ، 205 .