تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
قال ؟ فيقع قوله :
قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ
[ الشّعراء : الآية 18 ] استئنافا . ونحوه قوله :
اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ ( 28 ) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ
[ النّمل : الآيتان 28 ، 29 ] أي : ففعل ذلك ، فأخذت الكتاب فقرأته ، ثم كأن سائلا سأل قال : فما ذا قالت ؟ فقيل : قالت : يا أيها الملأ . وأما قوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ
[ النّمل : الآية 15 ] فقال الزمخشري في تفسيره : هذا موضع الفاء ، كما يقال : " أعطيته فشكر ، ومنعته فصبر " وعطفه بالواو إشعارا بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما العلم ، كأنه قال : فعملا به ، وعلماه ، وعرفا حق النعمة فيه ، والفضيلة ، وقالا : الحمد للّه . وقال السكاكيّ : يحتمل عندي أنه تعالى أخبر عمّا صنع بهما ، وعما قالا ، كأنه قال : نحن فعلنا إيتاء العلم ، وهما فعلا الحمد ، من غير بيان ترتّبه عليه ؛ اعتمادا على فهم السامع ، كقولك : قم يدعوك ؛ بدل : قم فإنه يدعوك . واعلم أن الحذف على وجهين : أحدهما : أو لا يقام شيء مقام المحذوف كما سبق . والثاني : أن يقام مقامه ما يدلّ عليه ، كقوله تعالى :
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ
[ هود : الآية 57 ] ليس الإبلاغ هو الجواب ؛ لتقدمه على تولّيهم ، والتقدير : فإن تولّوا فلا لوم عليّ ؛ لأني قد أبلغتكم ، أو فلا عذر لكم عند ربكم لأني قد أبلغتكم ، وقوله :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
[ فاطر : الآية 4 ] أي : فلا تحزن ، واصبر ، فإنه قد كذّبت رسل من قبلك ، وقوله :
وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ
[ الأنفال : الآية 38 ] أي : فيصيبهم مثل ما أصاب الأولين . وأدلة الحذف كثيرة . منها : أن يدلّ العقل على الحذف ، والمقصود الأظهر على تعيين المحذوف ، كقوله تعالى :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
[ المائدة : الآية 3 ] الآية ، وقوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
[ النّساء : الآية 23 ] الآية . فإن العقل يدل على الحذف لما مر ، والمقصود الأظهر يرشد إلى أن التقدير حرّم عليكم تناول الميتة ، وحرّم عليكم نكاح أمّهاتكم ، لأن الغرض الأظهر من هذه الأشياء تناولها ، ومن النساء نكاحهنّ . ومنها : أن يدل العقل على الحذف والتعيين كقوله تعالى :
وَجاءَ رَبُّكَ
[ الفجر : الآية 22 ] أي أمر ربك ، أو عذابه ، أو بأسه ، وقوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ
[ البقرة : الآية 210 ] أي : عذاب اللّه ، أو أمره .
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 150 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني