مكروها إلا يجوّز أن يكون الأمر أعظم منه ، ولو عيّن شيء اقتصر عليه . وربما خفّ أمره عنده ، كقوله :
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ
( 73 ) [ الزّمر : الآية 73 ] ، وكقوله :
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ
[ الأنعام : الآية 27 ] ،
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ
[ الأنعام : الآية 30 ] ،
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ السّجدة : الآية 12 ] .
وقال السكاكي رحمه اللّه : ولهذا المعنى حذفت الصلة من قولهم : جاء بعد اللّتيّا واللتي ، أي المشار إليه بهما ، وهي المحنة والشدائد قد بلغت شدّتها وفظاعة شأنها مبلغا يبهت الواصف معه حتى لا يحير ببنت شفة .
وإما غير ذلك ، كقوله تعالى :
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ
[ الحديد : الآية 10 ] أي : ومن أنفق من بعده وقاتل ، بدليل ما بعده .
ومن هذا الضرب قوله :
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
[ مريم :
الآية 4 ] لأن أصله : يا ربّ إني وهن العظم منّي ، واشتعل الرأس مني شيبا .
وعدّه السكاكي من القسم الثاني من الإيجاز على ما فسره ، ذاهبا إلى أنه وإن اشتمل على بسط ؛ فإن انقراض الشّباب وإلمام المشيب ؛ جديران بأبسط منه . ثم ذكر أن فيه لطائف يتوقف بيانها عن النظر في أصل المعنى ومرتبته الأولى .
ثم أفاد أن مرتبته الأولى : يا ربّي ، قد شخت . فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن ، وشيب الرأس .
ثم تركت هذه المرتبة ، لتوخّي مزيد التقرير إلى تفصيلها في " ضعف بدني ، وشاب رأسي " .
ثم ترك التصريح ب " ضعف بدني " إلى الكناية ب " وهنت عظام بدني " ، لما سيأتي أن الكناية أبلغ من التصريح .
ثم لقصد مرتبة رابعة أبلغ في التقرير بنيت الكتابة على المبدأ فحصل : أنا وهنت عظام بدني .
ثم لقصد مرتبة خامسة أبلغ أدخلت " إن " على المبتدأ ، فحصل : إني وهنت عظام بدني .
ثم لطلب تقرير أن الواهن عظام بدنه قصد مرتبة سادسة ، وهي سلوك طريقي الإجمال والتفصيل ، فحصل : إني وهنت العظام من بدني .