تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
أو لتكمل اللذة بالعلم به . فإن الشيء إذا حصل كمال العلم به دفعة لم يتقدّم حصول اللذة به ألم ، وإذا حصل الشعور به من وجه دون وجه ، تشوّفت النفس إلى العلم بالمجهول ، فيحصل لها بسبب المعلوم لذّة ، وبسبب حرمانها عن الباقي ألم . ثم إذا حصل لها العلم به : حصلت لها لذة أخرى ، واللذة عقب الألم أقوى من اللذة التي لم يتقدمها ألم . أو لتفخيم الأمر وتعظيمه ، كقوله تعالى :
قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي
( 26 ) [ طه : الآيتان 25 ، 26 ] ، فإن قوله :
اشْرَحْ لِي
يفيد طلب شرح لشيء ما له ، وقوله :
صَدْرِي
يفيد تفسيره وبيانه ، وكذلك قوله :
وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي
( 26 ) [ طه : الآية 26 ] والمقام مقتض للتأكيد ، وللإرسال المؤذن بتلقّي المكاره والشدائد ، وكقوله تعالى :
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ
( 66 ) [ الحجر : الآية 66 ] ففي إبهامه وتفسيره تفخيم للأمر ، وتعظيم له . ومن الإيضاح بعد الإبهام : باب " نعم وبئس " على أحد القولين ؛ إذ لو لم يقصد الإطناب لقيل : نعم زيد ، وبئس عمرو . ووجه حسنه - سوى الإيضاح بعد الإبهام - أمران آخران : أحدهما : إبراز الكلام في معرض الاعتدال ، نظرا إلى إطنابه من وجه ، وإلى اختصاره من آخر . وهو حذف المبتدأ في الجواب . والثاني : إيهام الجمع بين المتنافيين . ومنه التوشيع ، وهو أن يؤتى في عجز الكلام بمثنّى مفسّر باسمين أحدهما معطوف على الآخر ، كما جاء في الخبر : " يشيب ابن آدم ، ويشيب فيه خصلتان : الحرص ، وطول الأمل " " 1 " وقول الشاعر : [ عبد اللّه بن المعتز ]
سقتني في ليل شبيه بشرها * شبيهة خدّيها بغير رقيب " 2 " فما زلت في ليلين : شعر وظلمة * وشمسين : من خمر ، ووجه حبيب
وقول البحتريّ :
لما مشين بذي الأراك تشابهت * أعطاف قضبان به ، وقدود " 3 "
هامش
( 1 ) الحديث أخرجه أحمد في المسند 3 / 115 ، 119 ، 169 ، 192 ، 256 ، 275 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 10 / 239 ، والعجلوني في كشف الخفاء 2 / 546 . ( 2 ) البيتان لعبد اللّه بن المعتز في حاشية الدسوقي 2 / 743 ، والأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم 2 / 85 . ( 3 ) الأبيات من الكامل ، وهي في ديوان البحتري ص 126 .