ثم لطلب مزيد اختصاص العظام به قصد مرتبة سابعة ، وهي ترك توسيط البدن ، فحصل : إني وهنت العظام مني .
ثم لطلب شمول الوهن العظام فردا فردا : قصدت مرتبة ثامنة ، وهي ترك الجمع إلى الإفراد ؛ لصحة حصول وهن المجموع بوهن البعض دون كل فرد فرد ، فحصل ما ترى .
وهكذا تركت الحقيقة في : " شاب رأسي " إلى الاستعارة في اشتعل شيب " رأسي " لما سيأتي أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة .
ثم تركت هذه المرتبة إلى تحويل الإسناد إلى الرأس ، وتفسيره ب " شيبا " لأنها أبلغ من جهات :
إحداها : إسناد الاشتعال إلى الرأس ؛ لإفادة شمول الشّيب الرأس ؛ إذ وزان " اشتعل شيب رأسي " و " اشتعل رأسي شيبا " وزان " اشتعل النار في بيتي ، واشتعل بيتي نارا " والفرق بيّن .
وثانيتها : الإجمال والتفصيل في طريق التمييز .
وثالثتها : تنكير " شيبا " لإفادة المبالغة .
ثم ترك " اشتعل رأسي شيبا " لتوخّي مزيد التقرير إلى " اشتعل الرأس مني شيبا " على نحو
" وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي "
.
ثم ترك لفظ " منّي " لقرينة عطف
" اشْتَعَلَ الرَّأْسُ "
على
" وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي "
لمزيد التقرير ، وهو إيهام حوالة تأدية مفهومه على العقل دون اللفظ .
ثم قال عقيب هذا الكلام : واعلم أن الذي فتق أكمام هذه الجهات عن أزاهير القبول في القلوب : هو أن مقدمة هاتين الجملتين وهي " ربّ " اختصرت ذلك الاختصار ، بأن حذفت كلمة النداء ، وهي " يا " وحذفت كلمة المضاف إليه ، وهي ياء المتكلم ، واقتصر من مجموع الكلمات على كلمة واحدة فحسب ، وهي المنادى . والمقدمة للكلام - كما لا يخفى على من له قدم صدق في نهج البلاغة - نازلة منزلة الأساس للبناء . فكما أن البنّاء الحاذق ؛ لا يرمي الأساس إلا بقدر ما يقدّر من البناء عليه ، كذا البليغ يصنع بمبدأ كلامه ، فمتى رأيته قد اختصر المبدأ ؛ فقد آذنك باختصار ما يورد .
انتهى كلامه .
وعليك أن تتنبّه لشيء ، وهو أن ما جعله سببا للعدول عن لفظ " العظام " إلى لفظ " العظم " فيه نظر ، لأنا لا نسلّم صحة حصول وهن المجموع بوهن البعض ، دون كلّ فرد .