4 - اتسم المذهب البصري بالتأويلات البعيدة ، واهتموا بالتفسيرات العقلية للظواهر اللغوية ، فقالوا بأشياء لم تكن العرب قد قالت بها ، وإنما كانت من وحى أفكار هؤلاء النحاة ، وأما الكوفيون فقد أخذوا بما ظهر من تلك القواعد ، وما يفهم منها من خلال كلام العرب بعيدا عن التأويلات البعيدة .
وقد ذكر السيوطي أن لابن مالك طريقة سلكها بين طريقي البصريين والكوفيين فإن مذهب الكوفيين القياس على الشاذ ومذهب البصريين اتباع التأويلات البعيدة التي خالفها الظاهر ، وابن مالك يحكم بوقوع ذلك من غير حكم عليه بقياس ولا تأويل بل يقول :
إنه شاذ أو ضرورة ؛ كقوله في التمييز :
والفعل ذو التصريف نزرا سبقا 103 .
وقوله في مد المقصور :
والعكس في شعر يقع 104 .
قال ابن هشام : وهذه الطريقة طريقة المحققين ، وهي أحسن الطريقين » 105 .
والذي يسلم إليه ما سبق في الكلام عن التعارض والترجيح ما يأتي :
1 - عقد السيوطي له الكتاب السادس من كتابه ( الاقتراح ) ، وقد تأثّر بالأصوليين من الفقهاء ؛ حيث بناه على ما انتهجه لنفسه من ترتيب أصول النحو على نمط أصول الفقه .
2 - اهتم السيوطي بذكر كل أشكال التعارض الممكنة ، وليس تعارض الأدلة فقط ، مفيدا في ذلك من موسوعيته ، ومن سعة اطلاعه .
3 - التعارض والترجيح عملية جدلية تأتى في مرحلة تالية للأصول النحوية ، وليس أصلا من الأصول النحوية ، وإن كان أدخل فيما يسمّى ب ( الجدل في النحو ) ؛ فهو « عملية جدلية اجتهادية تكشف للعالم عن الدليل الراجح ؛ فقد يكون الراجح مرجوحا عند غيره ؛ لخضوع هذه العملية للاجتهاد » 106 .
* * *
أصول النحو عند السيوطي بين النظرية والتطبيق — صفحة 499
مساهمون: عصام عيد فهمي أبو غربية
ص٤٩٩