( 16 ) في الترجيح بين مذهبي البصريين والكوفيين :
هناك مذهبان أساسيان نشأت عنهما بقية المذاهب الأخرى هما : المذهب البصري ، والمذهب الكوفي .
ولكل من هذين المذهبين منهج وطريقة في بحث اللغة وتناولها بالدراسة .
ومن المعروف أن نشأة النحو في بدايته الأولى كانت في البصرة ، أما أهل الكوفة في ذلك الوقت ؛ فكانوا منصرفين لدراسة القرآن وعلومه ، ورواية الشعر 93 .
وثمة بعض الفروق في المبادئ العامة بين مدرستى البصرة والكوفة يمكن إيجازها في 94 :
1 - كان البصريون يتثبتون في قبول المادة اللغوية ، حتى صار ذلك مدعاة لافتخارهم على الكوفيين ؛ فقد قالوا : « نحن نأخذ اللغة من حرشة الضباب 95 وأكلة اليرابيع 96 وأنتم تأخذونها عن أكلة الشواريز 97 وباعة الكواميخ » 98 99 .
أما الكوفيون فكانوا أقل تثبتا وتشدّدا من البصريين ، والأعراب الذين سمعوا منهم كانوا متهمين في نظر البصريين .
2 - لا يقيس البصريون على الشاذ من شواهد العرب الشعرية أو النثرية بل على المطرد الكثير ؛ فهم « لا يلتفتون إلى كل مسموع ، ولا يقيسون على الشاذ » 100 .
أما الكوفيون فقد اهتموا بالمنقول واعتمدوا على الشاهد اليتيم وكانوا يقيسون على ما يسميه البصريون قليلا وشاذّا ، يقول السيوطي : « قال الأندلسي في ( شرح المفصل ) :
الكوفيون لو سمعوا بيتا واحدا فيه جواز شئ مخالف للأصول جعلوه أصلا وبوّبوا عليه بخلاف البصريين » 101 .
3 - جنح الكوفيون إلى الرواية واتسموا بسعة الحفظ لأشعار العرب على خلاف البصريين الذين كانوا يميلون إلى القياس لمحاولة تنظيم اللغة وقد رفضوا كثيرا من المرويات ، وقد قيل عن الكوفيين : « الكوفيون علامون بأشعار العرب مطلعون عليها » 102 .