تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
يا زيدان ما أجمل عمرا ، ويا هند ، ما أجمل زيدا ؛ أي [ تقول ] شيء صيّر عمرا ذا جمال . كما تقول : أجرب الرجل [ فإن قلت ] فإذا كان الجار ، والمجرور ، في قوله : ( أبصر بهم ) ، في موضع الرفع لكونه فاعل ( أسمع ) فأين الفاعل ل ( أبصر ) وقد ذكرتم أن الفاعل لا يجوز حذفه ، فإن قلتم : فهو مضمر ، فما علامة الإضمار في قوله : ( وأبصر ) ؟ [ فالجواب ] : الفاعل لا يحذف ولكن لما جرى ، هاهنا ، ظاهرا ، في الفعل الأول ، جاز إضماره في الثاني ، لجري ذكره ، مع الأول . ألا ترى أنّ سيبويه « 1 » ، لا يجيز العطف على عاملين ، كقولك : مررت بزيد في الدار ، والقصر عمرو ، على تقدير : وفي القصر عمرو ، لم يجز ذلك ، ثم أنشد [ قول الشاعر ] :
314 - أكلّ امرئ تحسبين امرءا * ونار توقّد بالليل نارا « 2 »
فقال : التقدير : وكلّ نار ، فأضمر ( كلا ) لجري ذكره في الأول ، ولم يعطفه على الأول . فكذا ، هنا ، لا يجيز حذف الفاعل من ( ضربني ) و ( ضربت ) زيدا ، لا يجيز حذف الفاعل من ( ضربني ) حتى تقول في التثنية ، في قولهم : ضربني ضرباني ، وضربت الزيدين . ثم أجاز حذف الفاعل في :
أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ،
لجري ذكره في الأول . [ قال أبو الفتح ] : وكل ما جاز فيه ( ما أفعله ) جاز فيه ( أفعل به ) . وهو ( أفعل منه ) تقول : ما أحسن زيدا ، وأحسن به ، وزيد أحسن من عمرو . هذه الأشياء الثلاثة تستتب في الأفعال الثلاثية . فأما ما زاد على ذلك ، أو كان في تقدير الزيادة ، لا يجيء منه أحد هذه الأشياء الثلاثة ؛ لأنه ، لا يمكن النطق به ، فإنما يتوصل إلى ذلك بفعل ثلاثي منه يصاغ لفظ التعجب ، ولفظ التفضيل ، ثم يوقع التعجب ، والتفضيل على مصدر ذلك الفعل الزائد على الثلاثي . كقولك في ( دحرج ) ما أشدّ دحرجة عمرو ، وأشدد بدحرجة عمرو ، وزيد أشدّ دحرجة من عمرو . [ فإن قلت ] : فقد قال اللّه تعالى :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
( 72 ) « 3 » . قوله : ( أعمى ) : أفعل التفضيل ، وأنتم لا تجيزون : ما أعمى زيدا ، وما أعور زيدا ، ولا تجيزون : أعم بزيد ، وأعور بزيد . فهذه الآية تبطل قولكم . [ الجواب ] : نعم . . التعجب لا يجيء من هذه الأشياء ؛ لأن هذه الأشياء ، في تقدير الزيادة . ألا ترى [ 130 / ب ) ] : أن عور في معنى ( أعور ) لأن هذا المعنى ، أعني : الألوان ، والأدواء ، إنما وضع له ( افعلّ ) . والدليل عليه تصحيح الواو ، في ( عور ) و ( حول ) . ولو لم يكن في معنى ( اعورّ ) و ( احولّ ) لقيل : عار ، وحال ، كما قالوا في ( خوف ) : خاف وفي ( نوم ) : نام ، إلا أنه قيل : ما أشدّ حوله ، وهو أشدّ عورا من زيد . وأما الآية ، فإن قوله
( فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى ) ،
قالوا فيه : إنه من عمى القلب ، لا من عمى العين . فاعرفه .
هامش
( 1 ) الكتاب 1 : 66 . ( 2 ) سبق ذكره رقم ( 227 ) ، ( 278 ) . ( 3 ) 17 : سورة الإسراء 72 .