تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ
« 1 » . فجزم قوله : ( ويكفّر ) ؛ لأن قوله :
( فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) :
في موضع الجزم . وهذه الفاء ، إذا كانت في جواب الشرط ، ينبغي أن يكون بعدها جملة من مبتدأ وخبر . ويجوز إضمار المبتدأ ، وإظهاره . فالإضمار قوله :
وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ
« 2 » ؛ أي : فهو ينتقم منه . والإظهار [ قولك ] « 3 » : إن تأتني فزيد يقوم . لا بد من ذلك . وقد يقع الشرط ، والجزاء بلفظ الماضي ، والمراد بهما : المستقبل . كقولك : إن قمت قمت . والتقدير : إن تقم أقم ؛ لأن المعنى على المضي ، لا يصح ؛ إذ الشرط إنما يصح في المستقبل من حيث إنما يجيء فيما يكون على الغرر . فأما ما ثبت ، ومضى ؛ فالشرط لا يؤثر فيه . [ 128 / ب ] . [ فإن قلت ] : فقد جاء في التنزيل :
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ
« 4 » ، وهذا ماض ، ولا يصح فيه الاستقبال ، ألا ترى ، إلى سياق الآية :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
« 5 » ، يعني في الدنيا ، فيقول : إن كنت قلته في الدنيا ، فقد علمته ، قلنا ، [ الجواب ] : أنّ المعنى ، إن صح ، وثبت : أني كنت قلته ، فقد علمته ، فهذا أيضا يرجع إلى المستقبل من حيث الصحة ، والثبوت . [ قال أبو الفتح ] : وقد حذف الشرط ، وأقيمت أشياء مقامه . وذلك في الأشياء التي ، إذا كان جوابها بالفاء ، كان منصوبا ، وهو : الأمر ، والنهي ، وأخواتهما . ألا ترى : أنك ، إذا قلت : اضرب أكرمك ، معناه : إن تضرب أكرمك ؛ فحذف الشرط ، وأقيم الأمر مقامه . وقد جاء في التنزيل ، في غير هذه الأشياء . قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
( 10 )
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
« 6 » إلى أن قال :
( يَغْفِرْ لَكُمْ )
فجزم ( يغفر ) لأن قوله : ( تؤمنون ) ، في موضع : آمنوا ؛ كما يوضع الأمر مقام الخبر ، في نحو قوله :
أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ
« 7 » ؛ أي : ما أبصره ، وأسمعه . وذهب المبرد « 8 » ، إلى أنّ قوله : ( يغفر ) جزم ، جواب ( هل أدلّكم ) . وأخطأ ؛ لأن المغفرة ، لا تجب بالدلالة على الإسلام ؛ لأن المغفرة تجب بالإيمان ، لأن من دله الرسول على الإسلام ، غفر اللّه له . ألا ترى أنه [ صلّى اللّه عليه وسلّم ] قد دعا أبا جهل إلى الإسلام ، ودلّه عليه ، ومع ذلك ، فهو مؤبّد في النار . وإنما ذلك ، لمن آمن ، خاصة . أعني المغفرة . ومما يدل على أن الشرط ، في هذه الأشياء ، مراد ، قوله تعالى :
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ
« 9 » ، فنصب قوله : ( فأصّدّق ) ، لما كان فيه الفاء ؛ وجزم : ( أكن ) ، حملا على موضع الفاء ، كما ذكرنا في شرط
هامش
( 1 ) 2 : سورة البقرة 271 . ( 2 ) 5 : سورة المائدة 95 . ( 3 ) في الأصل ( قوله ) والصحيح ما أثبته ؛ لأن التمثيل ليس قرآنا . ( 4 ) 5 : سورة المائدة 116 . ( 5 ) 5 : سورة المائدة 116 . ( 6 ) 61 : سورة الصف 10 ، 11 . ( 7 ) 18 : سورة الكهف 26 . ( 8 ) المقتضب 2 : 82 . ( 9 ) 63 : سورة المنافقون 10 .