تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
الخليل « 1 » : أنّ الياء ، والكاف ، والهاء : مجرورة بالإضافة ، وأنّ ( إيا ) اسم مضمر . وذهب الزجاج « 2 » إلى مثل هذا ، غير أنه ادعى : أنّ ( إيا ) اسم ظاهر . وذهب الفراء إلى أنّ ( إياك ) بكمالها : اسم . وقد كفانا الزجاج قول الفراء ، حيث قال : لم نر اسما تغير آخره ، لاختلاف المسمّين . ألا ترى أنه لا يقال : إنّ ( عصاك ) بكمالها ، اسم . فكيف جاز هذا في ( إياك ) . والصحيح من هذه الأقاويل ، قول أبي الحسن « 3 » : إنّ ( إيا ) اسم مضمر . فإذا كان مضمرا ، لم يضف إلى هذه الحروف ، لأن إضافة المضمر غير مشاهد ، وما جاء عنهم في ذلك شيء . وأما قول العرب : " إذا بلغ الرجل الستين ، فإياه ، وإيا الشوابّ " « 4 » ، فقد جعلوه في عداد الشواذ ، والنوادر . ومن قال : إنه اسم ظاهر ، قيل : لم نر اسما ظاهرا ، لزم طريقة واحدة ، إلا الظروف ، نحو : الآن ، وغيره . و ( إيا ) ليس بظرف ، فكيف لزم النصب في جميع الأحوال ؟ . وكفى ضعفا خروج القائل عن كلامهم . فالكاف ، والياء ، والهاء : حروف ، وليس مثلها في : عصاي ، وعصاك ، وعصاه . لأن ذلك مضاف ، لمّا كان مظهرا ، وهذا مضمر ، لا يجوز إضافته . وأبو سعيد يزعم : أن ( إيا ) وصلة إلى التكلم بهذه الحروف . وذلك أن هذه الحروف كانت مفعولات ، نحو : رأيتك ، ورأيته ، ورأيتني . فلما قدموها على الفعل استقبحوا أن يقولوا ( كرأيت ) ( وهو رأيت ) و ( إني رأيت ) . فجاؤوا ب ( إيا ) وصلة إلى هذه الحروف ، فهو من ( أيّ ) التي هي وصلة إلى نداء ما فيه اللام ، نحو : يا أيها الرجل . ف ( إيا ) عنده مشتق من ( أيّ ) . وليس كما قال ، لأن المضمرات بمنزلة الحروف . والحروف لا يحكم باشتقاقها ، لجمودها ، وقلة تصرفها تصرف الأسماء ، والأفعال . ف ( إياك ) أبدا ، منصوب بفعل بعده [ 112 / أ ] ولا ينتصب بما قبله . وكذلك : إياي ، وإياه . فأما قوله تعالى :
وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
« 5 » ، فمنصوب بفعل مضمر مقدر بعده . والتقدير : وإياي فارهبوا . وقوله : ( فارهبون ) : تفسير له . ولو قدرت المضمر قبله ، قلت : فارهبوني . ولا يجوز : فارهبوا إياي . واعلم أنّ قولهم : أنا ، وأنت ، وهو : يقعن فصلا بين المبتدأ ، والخبر ، إذا قلت : زيد قائم . وتقول : زيد هو قائم . ف ( هو ) فصل . ومعنى الفصل : أنه يفصل بين الوصف ، والخبر . لو قلت : زيد القائم ، احتمل أن يكون القائم وصفا ، وخبرا ، فلما جئت ب ( هو ) علمت أنه خبر ، وليس بوصف . وهكذا يقع في باب العوامل الداخلة على المبتدأ ، والخبر ، نحو : كان ، وإنّ ، وظننت . قال اللّه تعالى :
إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ
« 6 » . وقال
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ
« 7 » .
هامش
( 1 ) الكتاب 1 : 279 ، ونصه : " قال الخليل : لو أن رجلا قال : إياك نفسك ، لم أعنفه ، لأن هذه الكاف مجرورة " . ( 2 ) الإنصاف ( مسألة 98 ) 2 : 695 . ( 3 ) وقد حكى السراج عن المبرد ، وعن أبي الحسن الأخفش مثل ذلك . ينظر : مجمع البيان 1 : 25 . ( 4 ) الكتاب 1 : 279 . ( 5 ) 2 : سورة البقرة 40 . ( 6 ) 8 : سورة الأنفال 32 . ( 7 ) 34 : سورة سبأ 6 .