تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
في الثانية . ومثله :
بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
( 66 ) « 1 » . وصفهم بالكل من هذه الخصال ، على سبيل ترك الأولى إلى الثانية ، وترك الثانية إلى الثالثة . فإذا قال لامرأته : أنت طالق ، واحدة ، لا بل ثنتين ، طلقت ثلاث طلقات . لأن قوله : أنت طالق ، واحدة ، إيقاع . وقوله : بل ثنتين ، رجوع عما أوقع ، فلا يثبت ، لأنه لا يمكن تدارك الطلقات بعد ما أوقعت ، فيقع ثلاث . ولو قال : لفلان عليّ ألف ، لا بل ألفان ، يلزمه ثلاثة آلاف ، في القياس ، لأنه تدارك بعد ما ثبت ، ورفع لما لا يرتفع كالطلاق . وقال في الاستحسان « 2 » : إنه يلزمه ألفان . كقوله : له عليّ درهم ، بل ديناران ، وحججت حجة ، بل حجتين . قال : فالعرف في هذا جار بإثبات الأخيرة . لكن بهذا اللفظ . فهذا حكم ( بل ) . [ قال أبو الفتح ] : ومعنى ( لكن ) الاستدراك بعد النفي . تقول : ما قام زيد لكن عمرو . وما رأيت أحدا لكن عمرا . إلا أنها لا تستعمل في العطف إلا بعد النفي . ولو قلت : قام زيد لكن عمرو ، لم يجز . فإن جاءت بعد الواجب ، وجب أن يكون بعدها الجملة . تقول : قام زيد لكن عمرو لم يقم . ومررت بمحمد لكن جعفر لم أمرر به . [ قلت ] : هذا من لطائف العربية . وذلك ، لأن ( لكن ) إذا كانت مشددة ، نصبت الاسم ، ورفعت الخبر . كقولك : لكنّ عمرا قائم . وإذا خففت كانت من حروف العطف بعد النفي ، كما ذكر ، وكان حرفا من حروف الابتداء بعد الإثبات . فأما قوله تعالى :
ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ( 37 ) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي
« 3 » ، فإن هذا ليس ( لكنّ ) المشددة ، وإنما هو ( لكن ) [ 107 / أ ] مخففة . وأصله : لكن أنا هو اللّه ربي . فأنا : مبتدأ ، وهو : مبتدأ ثان ، وخبره : اللّه . وقوله : ربي : صفة للّه ، والعائد من الجملة إلى المبتدأ الذي هو ( أنا ) الياء في ربي . وجاز ذلك ، لأن الصفة كالجزء من الموصوف . فكان العائد من الصفة إلى المبتدأ ، كالعائد من الموصوف . ألا ترى أنه قال في [ الكتاب ] :
271 - . . . * إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا « 4 »
إن ( أشنعا ) منصوب على الحال ، وليس بخبر ، لأن قوله : ( يوم ) لما وصف ، بقوله : ( ذو كواكب ) دل على ما في ( أشنع ) من المعنى . ففي جعل ( أشنع ) خبرا ، ليست فائدة ، لم تكن في الاسم . فكما أنّ ذكر الوصف ، هاهنا ، حيث صار كالجزء من الموصوف ، أخرج ( أشنع ) عن الخبر . فهكذا العائد من الصفة ، جوّز للجملة أن تكون خبرا للمبتدأ الذي هو ( أنا ) . فأصل :
( لكِنَّا
هامش
( 1 ) 27 : سورة النمل 66 . ( 2 ) أحد كتب محمد بن الحسن الشيباني ، نقل منه السرخسي في كتابه الأصول . ينظر : تاريخ التراث العربي - فؤاد سزكين 2 : 72 . ( 3 ) 18 : سورة الكهف 37 ، 38 . ( 4 ) البيت من الطويل ، لعمرو بن شأس الأسدي ، وصدره :بني أسد ، هل تعلمون بلاءنا * . . .وهو ، في : شعره 36 ، والكتاب 1 : 47 ، والتحصيل 71 ، والخزانة 8 : 521 . وبلا نسبة في : المقتضب 4 : 96 ، وابن يعيش 7 : 98 .