تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
بعد خلق [ 105 / ب ] السماء ، دحا الأرض ، وكانت مخلوقة قبل . ولم يقل : بعد ذلك خلقها ، إنما قال : دحاها . ومعنى ( أو ) الشك . تقول : قام زيد ، أو عمرو . ويكون تخييرا ، تقول : اضرب زيدا ، أو عمرا ، أي : أحدهما ، أو إباحة ، تقول : جالس الحسن ، أو ابن سيرين ، أي : أبحتك مجالسة هذا الضرب من الناس . وأين وقعت ( أو ) فهي لأحد الشيئين . [ قلت ] : قسم ( أو ) ثلاثة أقسام . وله قسم رابع . وهو أن يكون للإبهام ، على المخاطب ، كقوله تعالى :
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
( 147 ) « 1 » ، أي : قد بلغت عدتهم ، إلى أن يقول حازرهم ، حين يحزرهم : مائة ألف أو يزيدون . وقول من قال : إنّ ( أو ) تأتي بمعنى الواو ، فليس بشيء ، وإنما هذا ، كما ذكرت لك . نعم ، لما كان يسمع السامع ( أو ) التي للإباحة ، فيجوز معها الإتيان بفعل ذلك الضرب ، استعمل ( أو ) في غير الإباحة ، بمنزلة التي للإباحة . فمن ذلك قوله تعالى :
إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما
« 2 » ، ولم يقل : فاللّه أولى به ، على ما يقتضيه أصل ( أو ) من أنه لأحدهما ، كما جاءت في الأخرى :
وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً
« 3 » ألا ترى أن التقدير : ومن يكسب أحد هذين ثم يرم به بريئا . ولم يقل : فاللّه أولى به لأنه قد جاءت : جالس الحسن أو ابن سيرين ، فيجوز له مجالستهما جميعا ، [ وهذا ] « 4 » مجازه . [ قال الشاعر ] :
270 - وكان سيان ألا يسرحوا نعما * أو يسرحوه بها ، واغبرت السوح « 5 »
وحق الكلام : سيان زيد وعمرو . ولا يقال : سيان زيد أو عمرو ، لكنه ، كما ذكرنا ف ( أو ) بمعنى الواو ، ليس بالسهل . والفرق بين التخيير ، والإباحة : أنه في التخيير ، لا يجوز الإتيان بالمأمور كله ، بخلاف الإباحة ، إذا قال : اضرب زيدا أو عمرا ، وخيره ، فيضربهما ، يكون عاصيا . [ فإن قلت ] : فقد قال اللّه تعالى
وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً
« 6 » ، ولا يجوز له أن يطيع أحدهما ، بل المحرّم عليه طاعتهما جميعا . ف ( أو ) بمعنى الواو ؟ ! . [ قلت ] : ليس الأمر كذلك ، إنما قوله :
( وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ) ،
على تقدير : لا تطع أحد هذين ، فإن ( أو ) لأحد الشيئين ، أو الأشياء . ولو صرح بهذا الكلام ، وقال : ولا تطع أحد هذين [ 106 / أ ] ، حرم عليه طاعتهما ، لأنه في النهي ضد ما في الأمر ، وفي الأمر له طاعة أحدهما .
هامش
( 1 ) 37 : سورة الصافات 147 . ( 2 ) 4 : سورة النساء 135 . ( 3 ) 4 : سورة النساء 112 . ( 4 ) الأصل غير واضح ( 5 ) البيت من البسيط ، لأبى ذؤيب الهذلي ، في : ديوان الهزليين 1 : 107 ، وفيه : وقال ما تغيهم : سيان سيركم وإن تقيموا به ، واغبرت السوح وابن يعيش 2 : 86 ، 8 : 91 ، والخزانة 4 : 89 ، 5 : 134 ، 137 ، 138 ، 11 : 70 . وبلا نسبة في : الخصائص 1 : 348 . ( 6 ) 76 : سورة الإنسان 24 .