تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
ففي النهي يكون بضده « 1 » . قال سيبويه « 2 » : ولو قال : ولا تطع منهم آثما ، أو لا تطع منهم كفورا ، انقلب هذا المعنى وجاز له طاعة أحدهما . وذلك ، لأنه يجعل ( أو ) في مثل هذا الموضع ، بمعنى ( بل ) . فكأنه يصير التقدير ، حينئذ : ولا تطع منهم آثما ، بل لا تطع منهم كفورا . وهذا ضد المعنى . وإنما صار هكذا ، لأنه لا يكون لعوامل معمول واحد . ألا ترى أنه لو لم يكن ( أو ) بمعنى ( بل ) لاقتضى : ولا ( تطع ) الأولى ، ما يقتضيه : ولا ( تطع ) الثانية ، وليس في الكلام إلا معمول واحد . وإذا ثبت أنّ ( أو ) لأحد الشيئين ، فمن قال هذه ، أو هذه ، وهذه طالق ، طلقت الثالثة ، وثبت الخيار في الأوليين ، لأن التقدير : إحدى هاتين ، وهذه طالق . وإحدى هاتين مبهم ، فإليه التعيين . ومن قال : إن القدير : هذه ، أو هما طالق ، فإنه قد أثبت التعيين في الأولى ، وأوقع الشبهة في الأخريين . فكان حق الكلام عنده : هذه ، أو هما طالقان ، فلما لم يقل كذلك ، ثبت أن الأمر بخلاف ما قال . وكذلك إذا قال : أنت طالق أو غير طالق ، فمعناه : أنت إحدى هاتين ، لأنها غير مطلّقة . وكذلك ، إذا قال : أنت طالق ، واحدة ، أو لا شى . الأظهر أنه كقولك : أنت طالق أو غير طالق . والرواية الأخرى : من أنه تقع واحدة ، لأنه قيده به ، فلا يصح الرجوع عنه فله وجه . فحيث جاءت ( أو ) فاعتبره بلفظ أحدهما ، إلا أن يمنع مانع . [ قال أبو الفتح ] : ومعنى ( لا ) التحقيق للأول ، والنفي عن الثاني . تقول : قام زيد لا عمرو . وهذا كما قال : إن ( لا ) إنما يعطف بها بعد الإثبات ، دون النفي . لو قلت : ما قام زيد لا عمرو ، لم يصح ، إذ ليس فيه تحقيق الأول ، وإخراج الثاني عن الأول ، فلا يجوز . فإذا كان كذلك ، فقوله تعالى :
إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ
« 3 » : لا يكون في تقدير : هي تثير الأرض . لأن هذا التقدير ، يوجب إسقاط الواو ، إذ يصير المعنى : هي تثير الأرض لا تسقي الحرث . ألا ترى أنه يقال : يقوم زيد لا يقعد ، لأنه يعطف بها بعد الإثبات ، دون النفي ، إذ [ 106 / ب ] هو تحقيق للأول ، وإخراج للثاني عنه . [ قال أبو الفتح ] : ومعنى ( بل ) للإضراب عن الأول ، والإثبات للثاني . تقول : قام زيد بل عمرو . ولا خلاف في أن ما بعد ( بل ) محقق ثابت . وإنما الخلاف فيما قبله : هل هو محقق ، أو منفي ؟ . إذا قلت : قام زيد بل عمرو ، فهل قيام زيد منفي ، أو مثبت ؟ . فجماعة يقولون بنفيه ، وجماعة لا يقولون فيه بشيء . ويقولون : ( بل ) لترك قصة ، إلى قصة أخرى . كقوله تعالى :
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ
« 4 » . ( بل ) هاهنا ، ترك القصة الأولى ، وأخذ
هامش
( 1 ) مجمع البيان 10 : 412 ، 413 ، إذ نقل عن الشارح قوله : قال البصير النحوي : ( أو ) هذه للتخيير . إذا قلت : اضرب زيدا أو عمرا ، فمعناه : اضرب أحدهما ، فإذا قلت : لا تضرب زيدا أو عمرا ، فمعناه : لا تضرب أحدهما ، فيحرم عليه ضربهما " . ( 2 ) الكتاب 3 : 184 ، 188 . ( 3 ) 2 : سورة البقرة 71 . ( 4 ) 18 : سورة الكهف 48 .