تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ
« 1 » . فقوله : ( أنزلناه ) : جملة من فعل ، وفاعل ، في موضع الرفع : صفة ل ( كتاب ) . فكما أن ( مباركا ) رفع فكذا ( أنزلناه ) . وقال اللّه تعالى :
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
« 2 » ف ( يحبّهم ) و ( يحبّونه ) جر : صفة ل ( قوم ) . كما أن :
( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) ،
كذلك . وليس قول من قال : إن المفرد ، والجملة ، إذا اجتمعا وصفا ، وجب تقديم المفرد ، بشيء . ألا ترى أن الآيتين بخلاف ذلك . وهذه الجملة إذا جاءت بعد المعرفة ، كانت حالا ، ولم تكن صفة . تقول : مررت بزيد قام أبوه . فتجعل ( قام أبوه ) حالا ، بإضمار ( قد ) . لأن الماضي لا يكون حالا إلا بإضمار ( قد ) . قال اللّه تعالى :
جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ
« 3 » . فقوله : ( حصرت صدورهم ) : في موضع الحال ، بإضمار ( قد ) أي : قد حصرت صدورهم . [ قال الشاعر ] :
246 - وطعن كفم الزّقّ * غذا . . . « 4 »
أي : فقد غذا ، فأضمر ( قد ) لما ذكرنا ، لا بد من إضماره . وتقول في الجملة الأخرى : مررت بزيد أبوه قائم . فالجملة : في موضع الحال . ولا تكون وصفا ، لأن الجملة نكرة ، فلا تجري وصفا على المعرفة ، لما ذكرناه في أول الباب . واعلم أنك ، إذا قلت : مررت برجل أفضل منك أبوه ، لم يجز أن تجعل ( أفضل ) صفة ل ( رجل ) وترفع ( أبوه ) به ، بخلاف قولك : مررت برجل ضارب زيدا أبوه ، و : بحسن أبوه « 5 » . وإنما لم يجز في ( أفضل ) هذا ، إعماله في الظاهر ، لأن الأصل في الإعمال : الفعل ، ثم اسم الفاعل الجاري عليه ، ثم الصفة المشبهة باسم الفاعل ، لقوة تصرف هذين . فأما ( أفضل ) فهو في الدرجة الرابعة . وليس له تصرّف ، فضعف عن [ 98 / ب ] شبه الفعل ، فلم يعمل في الظاهر ، وإنما عمل في المضمر ، لو قلت : مررت برجل أفضل منك . فتجعل فيه ضميرا مرفوعا ، جاز جريه ، وصفا على الأول . فأما لو قلت : مررت برجل أفضل منك أبوه ، لم يجز رفع الظاهر به . وإنما ينبغي أن تقول : مررت برجل أفضل منك أبوه . فترفع ( أفضل ) بالابتداء ، وما بعده الخبر . والجملة في موضع الجر ، وصفا للمجرور . فاعرف هذا . [ فإن قلت ] : فإنكم تقولون : ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل ، منه في عين زيد . فترفعون الكحل ب ( أحسن ) . وهذا نقض لما ذكرتم . وقد قال عليه الصلاة والسّلام : " ما من أيّام أحبّ إلى اللّه فيها الّصّوم من عشر ذي الحجة " « 6 » . فرفع ( الصوم ) ب ( أحب ) وجر ( أحب ) وصفا
هامش
( 1 ) 6 : سورة الأنعام 155 . ( 2 ) 5 : سورة المائدة 54 . ( 3 ) 4 : سورة النساء 90 . ( 4 ) البيت من الهزج ، للفند الزماني ، وتمامه :وطعن كفم الزق * غذا ، والزق ملآن .وهو في : ديوان الحماسة 1 : 7 ، والأمالي 1 : 260 ، والخزانة 3 : 432 . ( 5 ) أي : مررت برجل حسن أبوه . ( 6 ) سنن الترمذي 3 : 131 ، ومنثور الفوائد 50 ، والتاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول 2 : 95 ، وينظر : الكتاب 2 : 32 .
كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 250 | علي بن حسين الباقولي الأصبهاني ( جامع العلوم ) / محمد خليل مراد الحربي