تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
وليس هذا كقولهم : ضرب غلامه زيد ، و :
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
( 67 ) « 1 » لأن المفعول ينوى بعد الفاعل ، لأن مرتبته بعده ، ولا ينوى ب ( منه ) إذا وقع بعد ( أحسن ) في موضع آخر ، لأنه وقع في موقعه ، فهو كقولهم : ضرب غلامه زيدا . فلما كان هذان الوجهان يعرضان في هذه المسألة ، لم يكن بد من أن يرفع به الظاهر ، وإن لم يرفع ب ( أفضل ) منك ، ولا ( منسئ معن ) . والشيء إذا عرض فيه جهة واحدة ، فلم تعمل فيه تلك الجهة تأثيرا ، فبجهة أخرى تنضم إلى الأولى ، يستجاز ما لا يستجاز في غيره مع الجهة الواحدة . قال سيبويه « 2 » : ولو قلت : ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه . وتجعل الهاء لرجل ، وتحذف منه التي للكحل ، جاز ، كما قالوا : اللّه أكبر ، ولم يقولوا : من كذا . ومثله : " ما من أيام أحبّ إلى اللّه فيها الصوم من عشر ذي الحجّة " . وتقديره : أحبّ إلى اللّه فيها الصوم [ 99 / ب ] منه إليه من عشر ذي الحجة . فحذف ( منه ) التي للصوم . [ قال الشاعر ] :
249 - مررت على وادي السبّاع ، فلا أرى * كوادي السبّاع ، حين يظلم واديا أقلّ به ركب ، أتوه تئيّة * وأخوف ، إلّا ما وقى اللّه ساريا « 3 »
وتقديره : أقلّ به ركب أتوه منهم به . فحذف ( منهم ) و ( به ) . فالهاء في ( به ) الأولى تعود إلى ( واد ) . وفي ( به ) الثانية تعود إلى ( وادي السباع ) . فافهمه ، فإنه من لطائف العربية ، ومن لم يفهم مثل هذا حرم عليه تعاطيه ، لكتاب اللّه عز ، وجل ، وأخبار الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . ومن لطائف هذا الباب : أنّ اسم الفاعل ، أو المصدر ، إذا وصفا ، لم يجز إعمالهما في شيء ، وخرجا بالوصف عن ذلك . لا يجوز : مررت برجل ضارب ظريف زيدا ، فتنصب ( زيدا ) ب ( ضارب ) بعد وصفك إياه ب ( ظريف ) لأنه إنما يعمل لشبهه بالفعل ، وقد خرج عن شبه الفعل بالوصف ، لأن الفعل لا يوصف . وإذا كان كذلك ، فقوله تعالى :
فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً
« 4 » . فقوله : ( مكانا ) : لم يعمل فيه قوله ( موعدا ) ، لأنه وصف بالجملة ، وهو قوله :
( لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ ) .
ذكره أبو علي « 5 » ثم ، قال : [ وأما قول طفيل ] :
250 - وراكضة ، ما تستجنّ بجنّة * بعير حلال غادرته مجعفل « 6 »
فنصب ( بعير حلال ) ب ( راكضة ) بعد وصفها بقوله : ما تستجن بجنة ، وكأنه يحمله على إضمار فعل آخر . ولم ينسب أبو علي البيت إلى طفيل ، ولم يذكر فيه جهة الاستدلال .
هامش
( 1 ) 20 : سورة طه 67 . ( 2 ) الكتاب 2 : 32 . ( 3 ) البيتان من الطويل ، لسحيم بن وثيل الرياحي ، في : الكتاب 2 : 32 ، والتحصيل 246 ، والخزانة 8 : 327 ، 328 . ( 4 ) 20 : سورة طه 58 . ( 5 ) مجمع البيان 7 : 15 . ( 6 ) البيت من الطويل ، لطفيل الغنوي ، في : ديوانه 685 ، وأمالي القالي 1 : 104 ، واللسان ( جعل ) 1 : 113 . وبلا نسبة في : المخصص 7 : 147 . جعفله : صرعه ، والمجعفل : المقلوب . حلال : مركب من مراكب النساء .