تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
المستثنى على المستثنى منه . وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) نِصْفَهُ
« 1 » . ولا خلاف في جواز : ما في الدار إلا زيدا أحد . بتقديم المستثنى على المستثنى منه . وإنما الخلاف في أنه هل يجوز : إلا زيدا قام القوم . فالبصريون لا يجيزونه ، وهو الصواب . والكوفي يجيز ، وليس بشيء « 2 » . ألا ترى أنه لا يجوز في : عشرين درهما . درهما عشرين . ولا في : طاب زيد نفسا ، تقديمه ، وهو أقوى من هذا ، وتصرفه أكثر . و ( إلا ) ليس بمتصرف ، فلا يتقدم على الفعل . [ قال أبو الفتح ] : فإن فرّغت العامل قبل ( إلا ) عمل فيما بعدها لا غير . تقول : ما قام إلا زيد . و : ما رأيت إلا زيدا ، فترفعه بفعله ، وتنصبه بوقوع الفعل عليه . [ قلت ] : واعلم أنه لا يجوز أن تقول : ما ضربت إلا زيدا بسوط ، فتعلّق ما بعد ( إلا ) بما قبله ، إذا كان ما قبل ( إلا ) كلاما تاما . وكذلك ، لا يجوز : ما الخبز زيد إلا آكل . لا تنصب الخبز بآكل . وإنما لم يجز ذلك ، لأن ( إلا ) بمنزلة حروف النفي . فكما لا يعمل ما بعد النفي فيما قبله ، نحو : زيدا ما ضربت ، فكذا لا يعمل ما بعد ( إلا ) فيما قبله ، ولا ما قبله فيما بعده إذا كان تاما . والدليل على أن ما يستثنى به ، بمنزلة النفي ، ما زعمه الكسائي ، والفراء « 3 » ، في قوله تعالى :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
« 4 » . قالا : التقدير : أنعمت عليهم ، لا مغضوبا عليهم « 5 » ، ولا الضالين . فإنما جاء ( لا ) في قوله : ( ولا [ 82 / ب ] الضالين ) ، لأن في ( غير ) معنى النفي . وإذا كان كذلك ، كان حكمه حكم النفي . فأما قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ
« 6 » فليس التقدير : وما أرسلنا قبلك إلا رجالا يوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر ، وإن كان المعنى عليه ، لأنا قد ذكرنا أن ما بعد ( إلا ) لا يتعلق بما قبله إذا كان كلاما تاما . فإذن يحمل على فعل آخر دل عليه المذكور . كأنه قال : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ، أرسلناهم بالبينات ، فأضمر ، لجري ذكره . قال : ومثله : [ قول الشاعر ] :
207 - وليس مجيرا ، إن أتى الحيّ خائف * ولا [ قائلا « 7 » ] إلا هو المتعيبّا « 8 »
فنصب المتعيب ، ب ( يقول ) مضمر ، لجري ذكر ( قائل ) . فأما قوله تعالى :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
« 9 » ، فإنه قال « 10 » : لا أعلّق قوله :
( أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ) ،
ب ( يكلم ) المنصوب ، في قوله :
( أَنْ يُكَلِّمَهُ ) ،
، لأن في ذاك ، إعمال ما قبل ( إلا ) فيما بعده ، وذلك ممتنع . ولكني أعلّقه ب ( يكلم ) آخر ، مضمر ، لجري ذكره . ويجوز أن يعلّق بمضمر ، كما جاء :
هامش
( 1 ) 73 : سورة المزمل 1 - 3 . ( 2 ) الإنصاف ( مسألة 36 ) 1 : 275 ، 276 . ( 3 ) معاني القرآن - للفراء 1 : 8 . ( 4 ) 1 : سورة الفاتحة 7 . ( 5 ) مجمع البيان 1 : 30 . ( 6 ) 16 : سورة النحل 43 ، 44 . ( 7 ) في الأصل : ولا قائل ، وهو وهم ، لأن ( قائلا ) معطوف على ( مجيرا ) خبر ليس . ( 8 ) البيت من الطويل ، للأعشى ، في : ديوانه 113 ، واللسان ( عيب ) 1 : 663 ، والتاج ( عيب ) 3 : 450 . ( 9 ) 42 : سورة الشورى 51 . ( 10 ) أي : أبو علي ، في : كتابه ( التذكرة ) .
كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 221 | علي بن حسين الباقولي الأصبهاني ( جامع العلوم ) / محمد خليل مراد الحربي