تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
قوله :
وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً
« 1 » . فالاستثناء من هذا ، لأنه فعل واحد . ولا يجيء عليه ما ذكرتموه من أنه يكون معمولا لعوامل شتى . وتقديرنا الجملة ، تقدير المفرد ، هو الذي ذكرتموه ، في أول هذا الكتاب ، من أنّ الأصل في الكلام : المفرد . والجمل ثان له . ولهذا المعنى ، قلتم : الفاعل : لا يكون جملة ، لأن الفعل ، والفاعل نظير المبتدأ ، والخبر . والمبتدأ ، والخبر جزءان . والفعل ، والفاعل ، ينبغي أن يكونا جزءين . وإذا كان الفاعل جملة ، يكون ثلاثة أجزاء . وزعمتم : أن الجمل في خبر المبتدأ ، في تقدير المفرد ، فأبدا ، تقدرون الجمل في تقدير المفرد ، ولا تجعلون الجمل أصلا ، في الكلام . فما بالكم جعلتم :
( وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) ،
جملة ، واستثنيتم منه
( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) ؟
وهلا جعلتموه في تقدير المفرد ، كما ذكرنا ؟ وقولكم في قوله
( وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ )
إنه مستأنف ، لارتفاع ( يحق ) . ف ( يحقّ ) يجوز أن يكون : مجزوما ، ويكون كقوله
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً
« 2 » فضمّ ، وهو [ 81 / ب ] مجزوم ، جواب ( إن ) . ويكون معنى الآية : أم يقولون افترى على اللّه كذبا ، فإن يشأ اللّه يختم على قلبك ، وينزل على لسان نبي آخر ، أفتراك لو افتريت ؟ ! ويمحو اللّه الباطل على لسانه ويحقّ الحق بما يوحيه إليه . وهو داخل في الشرط ، والجزاء ، وليس بخارج منه . فاحتجاجكم به باطل ! . [ الجواب ] : أنّ الغرض من الآية ، هو : النهي ، عن قبول الشهادة . والأمر بتفسيقهم . وليس الغرض : أن لا تقبل شهادتهم ، فاسقين ، وإنما الغرض : أن يفسّقوا ما داموا مصرّين ، على القذف . فقوله :
( وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) :
جملة خبرية ، يراد بها : الأمر ، وأن يعتقد فيهم الفسق . فإنما يقدّر الجملة تقدير المفرد ، إذا أمكن وضع المفرد موضعها . وهاهنا ، لو وضع المفرد موضعها ، على ما ذكر بطل الغرض ، وانقلب المعنى . فإذن قوله :
( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا )
محمول على الجملة التي هي أقرب إليه ، وهو العامل فيه ، لا غير . ومثله في قوله :
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ
« 3 » . فالجر متعلق ب ( يفتيكم ) . ومثله :
إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ
« 4 » . فالمعنى : إنّي أشهد اللّه أني بريء ، واشهدوا أني بريء . فأعمل الثاني ، لأنه أقرب إليه . [ قال الشاعر ] :
201 - ولقد أرى ، تغنى بها سيفانة * تصبي الحليم ، ومثله أصباه « 5 »
فأعمل ( تغنى ) دون ( أرى ) . [ وقال الآخر ] :
هامش
( 1 ) 24 : سورة النور 4 . ( 2 ) 3 : سورة آل عمران 120 . ( 3 ) 4 : سورة النساء 176 . ( 4 ) 11 : سورة هود 54 . ( 5 ) البيت من الكامل ، لرجل من باهلة . في : الكتاب 1 : 77 ، والتحصيل 95 ، والإنصاف 1 : 89 . وبلا نسبة في المقتضب 4 : 75 . السيفانة : المرأة الممشوقة اللحم ، المهفهفة ، شبهت بالسيف لإرهافه ، ولطافته .