تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
ظننته زيد قائم . فيكون الهاء : للشأن ، والحديث . و ( زيد قائم ) : مبتدأ ، وخبر ، تفسير لذلك المضمر . فإن قلت : زيدا ظننت الظن قائما ، فلا يجوز الإلغاء ، وإن توسط ، لأنك أكدت ( ظننت ) بالمصدر . فإن قلت : زيد ، ظننته ، قائم . أو : زيد ، ظننت ، ذاك قائم ، فالإلغاء أحسن قليلا ، إذ ليس في لفظ ( ذاك ) ، ولا في لفظ الهاء دليل على المصدر . ولهذا لم يجيزوا : مروري بزيد ، حسن وهو بعمرو ، قبيح ، لأنه ، ليس في ( هو ) دليل على لفظ المصدر ، فلا يتعلق به الجار . واعلم أن ( علمت ) ، إنما يتعدى إلى مفعولين ، إذا كان من العلم الحقيقي ، نحو : علمت زيدا قائما . فأما إذا كان معنى ( علمت ) : عرفت [ فقد ] « 1 » تعدى إلى مفعول واحد ، نحو قوله تعالى :
وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ
« 2 » . أي : لا تعرفونهم ، أي : لا تعرفون نفاقهم . وقال :
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ
« 3 » أي : عرفتم . وأما ( رأيت ) ، فإنه ، إذا كان من رؤية البصر ، [ فقد ] « 4 » تعدى إلى مفعول واحد ، كقولك : رأيت زيدا ، أي : أبصرته . وقال عليه السّلام : ( سترون ربكم ) « 5 » . يعني : ببصركم . ومن [ 64 / ب ] قال : إنه من رؤية القلب ، فقد ارتكب إضمار المفعول الثاني . وهذا مما لا يجوز ، فاعرفه . وأما إذا كان من رؤية القلب [ فقد ] « 6 » تعدى إلى مفعولين ، كقولك : رأيت اللّه غالبا . وإذا كان من قولهم : فلان يرى رأي أبي حنيفة ، فإنه يتعدى إلى مفعول واحد . ويتعدى إلى الثاني بهمزة النقل ، كقوله تعالى :
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ
« 7 » ف ( أراك ) ها هنا ، يتعدى إلى مفعولين . والتقدير : بما أراكه اللّه . فالكاف : المفعول الأول . والعائد إلى الموصول : المفعول الثاني . وهو منقول من ( رأيت ) الذي هو من الرأي . وليس بمنقول من ( رأيت ) بمعنى : أبصرت ، إذا لا معنى له ، هاهنا . وليس بمنقول من ( رأيت ) الذي هو من رؤية القلب ، لأنه تعدى إلى مفعولين . ولو كان منقولا منه تعدى إلى ثلاثة مفعولين . وتقول العرب : أرأيتك زيدا ما صنع ؟ . قال اللّه تعالى حكاية عن اللعين « 8 » :
أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ
« 9 » . وقال :
أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً
« 10 » فالكاف للخطاب ، لا محل لها من الإعراب . وزيدا : المفعول الأول . وما صنع : في موضع المفعول الثاني . وإن قلت : الكاف : المفعول الأول . وزيدا : المفعول الثاني ، فهو كلام فاسد ، لا طائل عند الاشتغال بإفساده ، لظهوره ، على أنه لو كان الكاف المفعول الأول ، وزيدا : المفعول الثاني ، لكان ( زيد ) هو ( الكاف ) في : المعنى ، لأن المفعول الثاني ، في هذا الباب ، خبر المبتدأ . وخبر المبتدأ إذا كان مفردا ، كان
هامش
( 1 ) زيادة تقتضيها ( أما ) الشرطية . ( 2 ) 8 : سورة الأنفال 60 . ( 3 ) 2 : سورة البقرة 65 . ( 4 ) زيادة تقتضيها ( إذا ) الشرطية . ( 5 ) المعجم الكبير - للطبراني 2 : 294 ، 295 ، 296 . ( 6 ) زيادة تقتضيها ( أما ) ، و ( إذا ) الشرطيتان . ( 7 ) 4 : سورة النساء 105 . ( 8 ) اللعين : هو إبليس . ( 9 ) 17 : سورة الإسراء 62 . ( 10 ) 6 : سورة الأنعام 47 .