تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
[ والثالث ] : من خواصّ هذا الباب ، هو : التعليق . ومعنى التعليق : هو أن تعلّق الفعل بين أن تعمله في المعنى ، ولم تعمله في اللفظ ، بخلاف الإلغاء ، لأن الإلغاء إبطاله لفظا ، ومعنى . فقولك : علمت : لعبد اللّه قائم . وعلمت : أزيد في الدار أم عمرو . فالفعل معمل في المعنى دون اللفظ ، لأن الجملة في المعنى ، سادة مسدّ المفعولين ، إلا أن اللام ، والهمزة منعتا الفعل من العمل ، لما تقتضيانه من صدر الكلام . قال تعالى :
ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى
« 1 » . فلم يعمل لنعلم ، لأن ( أيّا ) لما كان استفهاما منع من ذلك . [ فإن قلت ] : فلم زعمت أنّ التعليق يختص هذا الباب ، وقد قال اللّه تعالى :
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا
( 69 ) « 2 » . فلم يعمل ( لننزعنّ ) في ( أيّهم ) كما لم يعمل ( لنعلم ) في ( أيّ الحزبين ) . وقد قال اللّه تعالى :
يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ
« 3 » . فعلّق ( يدعو ) حيث أدخل اللام على قوله : ( من ) . فهذان فعلان خارجان عن الأفعال السبعة ؟ [ الجواب ] : أنّ تعليق ( ننزع ) في الآية قول يونس « 4 » ، وليس بقول سيبويه ، ولا الخليل . فلا يلزمنا ذلك . على أنا نقول : إن يونس استجاز تعليق ( ننزع ) ، لأن المراد بالنزع في الآية ، هو التمييز بين الصالح ، والطالح ، وليس المراد به نزع الشيء من الشيء ، كنزع المسامير من الخشب . فلهذا جوز التعليق . ثم قول سيبويه في الآية ، أنّ ( أيهم ) مبني ، لأنه بمعنى ( الذي ) « 5 » وقد حذف منه ما يعود إليه ، وما يعود إليه موضح له مبيّن ، وهو بعضه . فلما حذف منه ذلك استحق البناء ، كقبل ، وبعد . ونحن نقول في الآية : إنّ ( من ) زائدة . والمفعول قوله : ( كلّ شيعة ) . وإن كان قد قال : هي لا تزاد في الواجب . وأما قوله ( يدعوا لمن ضرّه ) فليس ( يدعو ) معلّقا ، وإنما هو في موضع الحال ، مما قبله . والتقدير : ذلك هو الضّلال البعيد مدعوّا . وقوله : ( لمن ضرّه ) مبتدأ ، وليس بمفعول ، فلا يلزمنا ذلك . أو يكون ( يدعو ) بمعنى ( يقول ) . وما بعد القول [ 63 / أ ] مبتدأ ، وخبر . وقول الفراء تقديره : يدعو من لضرّه أقرب من نفعه ، وأنّ اللام مؤخر في النية [ غير « 6 » ] جائز « 7 » ، لأن ما في الصلة لا يتقدم على الموصول . وإذا احتمل هذا صح أنّ التعليق من خواص هذا الباب ، وأنّ قوله : علمت لزيد في الدار ، وعلمت : زيدا أبو من هو ، بالرفع ، أعني في زيد ، لما كان قوله : من هو : استفهاما عائدا إلى زيد ، وهو في المعنى هو ، لا يجوز هذا في غير هذه الأفعال ، قال : وتقول : علمت أيّ يوم الجمعة ، وأيّ يوم الجمعة ، بالنصب ،
هامش
( 1 ) 18 : سورة الكهف 12 . ( 2 ) 19 : سورة مريم 69 . ( 3 ) 22 : سورة الحج 13 . ( 4 ) الكتاب 2 : 400 ، وفيه : ( وأمّا يونس فيزعم أنه بمنزلة قولك : أشهد إنك لرسول اللّه ) . ( 5 ) الكتاب 2 : 399 . ( 6 ) في الأصل : فغير ، ودخول الفاء لا مسوغ له ، فغير خبر إلى قول . ( 7 ) معاني القرآن - للفراء 2 : 217 .