تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
وكان الأصل أن يقول « قبل إنفاده » لأن الشراب مذكر ، إلا أنه أنّثه حملا على المعنى ؛ لأن الشراب هو الخمر في المعنى ، وقال الآخر : [ 329 ]
يا بئر يا بئر بني عديّ * لأنزحن قعرك بالدّليّ حتّى تعودي أقطع الوليّ
وكان الأصل أن يقول « قطعي الولي » لأن البئر مؤنثة ، إلا أنه ذكره حملا على المعنى ، فكأنه قال : حتى تعودي قليبا أقطع الولي ، والقليب الأغلب عليه التذكير ، ولذلك قالوا في جمعه « أقلبة » وأفعلة بناء يختص به المذكر في القلة كاختصاص المؤنث بأفعل في القلة ، وقوله « ذو الطول وذو العرض » يرجع إلى الحي ، فانتقل
شرح
- شعري كيف ينفدون الشراب قبل إنفاده ؟ ولكن العلماء الأثبات أعادوا الضمير المؤنث في قوله « قبل إنفادها » إلى أحد شيئين يصح مع كل واحد منهما اللفظ والمعنى ؛ أما أحد هذين فقد ذكره أبو عبيدة ، قال : فكانوا هم المنفدين شرابهم قبل أن تنفد عقولهم ، يعني أنهم شربوا حتى أنفدوا ما عندهم من الشراب ولم تغب عقولهم ، بل بقيت لهم يقظتهم وصحوهم وعلمهم بما يدور حولهم ، وأما الثاني : فقد ذكره غير أبي عبيدة ، قال : فكانوا هم المنفدين شرابهم قبل إنفاد دراهمهم ، يريد أنهم مياسير وأن أموالهم زادت على ثمن ما شربوه ، وكلا هذين الوجهين صحيح المعنى صحيح اللفظ ، ويكون مرجع الضمير ملحوظا من السياق ومدلولا عليه به ولا يكون في البيت دليل على ما ساقه المؤلف للاستشهاد به عليه . [ 329 ] هذه ثلاثة أبيات من الرجز المشطور ، والبئر : معروفة ، وهي مؤنثة بغير علامة تأنيث ؛ فيخبر عنها بالمؤنث ، وتوصف بصفات المؤنث ، ويعود إليها الضمير مؤنثا ؛ وتقول : نزحت البئر أنزحها نزحا - من مثال فتح يفتح فتحا - إذا استقيت ماءها حتى ينفد أو يقل ، وقالوا « هذا ماء لا ينزح » بكسر الزاي وبفتحها - يريدون أنه كثير لا ينفد ، وقعر البئر - بفتح القاف وسكون العين - أقصاه وعمقه ونهاية أسفله والدّلي : جمع دلو ، وأصلها دلوو - على مثال فأس وفؤوس وقبر وقبور ، ثم قلبت الواو المتطرفة ياء فصار « دلوي » فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ، ثم قلبت ضمة الدال كسرة لمناسبة الياء المشددة ، وهذه الأعمال إلى هنا واجبة كلها ، ثم لك بعد ذلك أن تقلب ضمة الدال كسرة لمناسبة ما بعدها ولأن الانتقال من ضمة إلى كسرة بعدها ياء مشددة ثقيل ، ولك أن تبقيها على حالها ، وتقول : قطع ماء الركية قطوعا وقطاعا ، تريد أنه انقطع أو قلّ ، والولي - من مثال غني - أصله المطر ينزل بعد المطر ، والمطر الأول يسمى الوسمي ، وأراد الماء ، والاستشهاد بهذه الأبيات في قوله « حتى تعودي أقطع الولي » فإن قوله « أقطع الولي » من صفات البئر ، وقد علمت أن البئر مؤنثة ، فمن حق ما توصف به أن يؤتى به على غرار صفات المؤنث ، فكان من حق العربية عليه أن يقول « حتى تعودي قطعي الولي » إلا أنه لما كان من أسماء البئر القليب ، وكان الأغلب على القليب التذكير ، وصف البئر التي ذكرها في كلامه بالمذكر باعتبار أنها قليب ، فحمل صفتها على المعنى ، وهذا ظاهر إن شاء اللّه .