تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
تركتني في الدّار ذا غربة * قد ذلّ من ليس له ناصر
وكان الأصل أن يقول « ذات غربة » فحمله على المعنى ، فكأنها قالت : تركتني إنسانا ذا غربة ، والإنسان يطلق على الذكر والأنثى ، وقال الأعشى : [ 328 ]
لقوم فكانوا هم المنفدين * شرابهم قبل إنفادها
شرح
- على قبر رجل تبكيه ، وقوله « تركتني في الدار ذا غربة » معناه أنها - وإن كانت في دارها وبين ذويها وأهلها - تشعر بالوحدة والغربة ؛ لأنها ما كانت تجد الأنس في غير عامر المبكى ، ثم علل ذلك بقوله « قد ذل من ليس له ناصر » ومحل الاستشهاد قوله « ذا غربة » فإنه كان ينبغي - لو أنه أجرى الكلام على ما يقتضيه اللفظ - أن يقول « ذات غربة » لأن الحديث على لسان امرأة ؛ بدليل قوله « قامت تبكيه » لكنه - مع ذلك - أجرى الكلام على المعنى ؛ فإن المرأة يقال لها « إنسان » أو « شخص » والشخص مذكر ، فيجوز أن تجري عليه صفات المذكورين تبعا للفظه ، ويجوز أن تجري عليه صفات المؤنثات تبعا للمراد منه ، أما أن المرأة يطلق عليها لفظ « شخص » فدليله قول عمر بن أبي ربيعة :فكان مجني دون من كنت أتقي * ثلاث شخوص كاعبان ومعصرفقد قال « ثلاث شخوص » بغير تاء في ثلاث ، وترك التاء في لفظ العدد يكون عندما يكون المعدود مؤنثا ، ويدل لهذا أيضا أنه فسر ثلاث الشخوص بقوله « كاعبان ومعصر » والكاعب : المرأة التي كعب ثديها ونهد . وفي بيت الشاهد قال « ذا غربة » أي شخصا ذا غربة ، وهذا ظاهر إن شاء اللّه . ومن الإجراء على المعنى ما أنشده ابن منظور ( ب ك ى ) قال : « وقول طرفة :وما زال عني ما كننت يشوقني * وما قلت حتى ارفضّت العين باكيافإنه ذكر باكيا - وهي خبر عن العين ، والعين أنثى - لأنه أراد حتى ارفضّت العين ذات بكاء ، وإن كان أكثر ذلك إنما هو فيما كان معنى فاعل لا معنى مفعول ، وقد يجوز أن يذكر على إرادة العضو ، ومثل هذا يتسع فيه القول ، ومثله قول الأعشى :أرى رجلا منهم أسيفا كأنما * يضم إلى كشحيه كفا مخضباأي ذات خضاب ، أو على إرادة العضو كما تقدم ، وقد يجوز أن يكون مخضبا حالا من الضمير الذي في يضم » اه كلامه بحروفه . [ 328 ] هذا البيت هو الثالث والعشرون من قصيدة للأعشى ميمون بن قيس مطلعها :أجدك لم تغتمض ليلة * فترقدها مع رقادهاوقبل البيت المستشهد به قوله :فباتت ركاب بأكوارها * لدينا ، وخيل بألبادهاوانظر الديوان ( ص 50 - 56 ) وقد وهم المؤلف فزعم أن ضمير المؤنث في قوله « قبل إنفادها » يعود إلى الشراب لأنه الذي تقدم ذكره في البيت ، وعنده أن الشاعر أراد أن يقول « فكانوا هم المنفدين شرابهم قبل إنفاده » غير أن القافية ألجأته إلى أن يقول « قبل إنفادها » وأنه استساغ ذلك لأن الشراب ههنا هو الخمر ، والخمر مؤنثة ، فلما لم يتيسر له أن يعيد إليه الضمير باعتبار لفظه المتقدم أعاده إليه باعتبار معناه فأنثه ، هكذا زعم المؤلف ، وليت -
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 414 | أبو البركات بن الأنباري