وقولهم « إنه لم يوجد فيعل في كلامهم » قلنا : قد بيّنا أن المعتلّ يختص بأبنية ليست للصحيح ؛ فلا حاجة إلى أن تجعل فيعلا مثل عيّن مع شذوذه وندوره في بابه ، وقد وجدنا سبيلا إلى أن تجعل فيعلا على لفظه ، ولو جاز أن يعتد بقولهم عيّن - بفتح العين - مع شذوذه وندوره لجاز أن يعتد بما حكى الأصمعي ، قال :
حدثني بعض أصحابنا قال : سمعتهم يقولون جاءت الصّيقل - بكسر القاف - وإذا امرأة كأن وجهها سيف ، فلما رأتنا أرخت البرقع فقلت : يرحمك اللّه ! إنا سفر ، وفينا أجر ، فلو منحتنا من وجهك ، فانصاعت فتضاحكت ، وهي تقول :
[ 495 ]
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا * لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الّذي لا كلّه أنت قادر * عليه ، ولا عن بعضه أنت صابر
[ 338 ] فصيقل - بكسر العين - في الشذوذ في الصحيح بمنزلة عيّن في المعتل ، وكما لا يعتدّ به في الصّيقل لشذوذه فكذلك في عيّن ، واللّه أعلم .
شرح
[ 495 ] هذان البيتان قد أنشدهما ابن قتيبة في عيون الأخبار ( 224 ) مع نفس القصة التي حكاها المؤلف ههنا ، ولم يعز البيتين إلى قائل معين ، ولم ينشد المؤلف البيتين للاستشهاد بهما على قاعدة من قواعد النحو ولا لبيان معنى كلمة غريبة ، ولكنه أتى بهما لأنهما وردا في القصة التي يحكيها وفيها أن الصيقل سمع من بعض العرب بكسر القاف ، وفي ذكر قصة الفتاة وإنشاد البيتين إشارة من الأصمعي إلى أنه متثبت من رواية الصيقل بكسر القاف ، ووجه هذه الإشارة أنه يذكر الظروف والملابسات التي أحاطت به وتقول : صقل السيف وغيره يصقله صقلا - مثل نصره ينصره نصرا - وصقالا ، فهو مصقول وصقيل - تريد جلاه ، والصاقل :
الذي يجلوه ويشحذه ، وجمعه صقلة على مثال فاجر وفجرة وكافر وكفرة ، ويقال لشحاذ السيوف وجلائها : صيقل - بفتح الصاد وسكون الياء وفتح القاف - وجمعه صياقل وصياقلة ، وقد حكى الأصمعي في هذه القصة أنه سمع من بعض أصحابه أن قوما من العرب يقولون صيقل بكسر القاف ، وهو شاذ ؛ لأن هذا الوزن لم يجئ في صحيح العين كما سمعت في شرح الشاهد 494 وإنما يجيء كسر العين في معتل العين ، والخلاصة أن العرب قد خصت معتل العين المزيد فيه بعد الفاء بالمجيء على زنة فيعل بكسر العين كسيد وميت وهين وبين ولين وصيت وخصت صحيح العين بالمجيء على وزن فيعل بفتح العين نحو صيرف وحيدر وجيأل وبيطر وصيقل ونيرب بمعنى الشرّ والنميمة ، وهذا هو الأصل الذي جرى عليه كلامهم ، ولكنهم ربما جاءوا بالكلمة من المعتلّ على الوزن الذي خصوا به الصحيح مثل كلمة « العين » التي وردت في الشاهد 494 وقد بيّنا لك أمرها هناك ، وربما جاءوا بكلمة من الصحيح على الوزن الذي خصوا به المعتل مثل كلمة الصيقل التي حكاها الأصمعي في هذه القصة ، وهذا وذاك شاذان ، فاعرف ذلك .