. . . . .
شرح
- الفعل الذي هو أودى مسند إلى ضمير مستتر يعود إلى الحوادث ، والحوادث جمع حادثة ، فهو جمع تكسير مفرده مؤنث ، وقد زعم المؤلف تبعا لسيبويه وشراح كلامه أنه كان على الشاعر أن يقول : فإن الحوادث أودت بها ؛ فيؤنث الفعل لكونه مسندا إلى ضمير يعود إلى مؤنث ، ولكنه ترك تاء التأنيث لأن الحوادث يطلق عليها الحدثان ، والحدثان مذكر ، ويسند إليه الفعل بغير تاء كما في قول شاعر الحماسة :رمى الحدثان نسوة آل حرب * بمقدار سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضا * ورد وجوههن البيض سوداقال ابن منظور « فأما قول الأعشى :* فأما تريني ولي لمّة - البيت *فإنه حذف التاء للضرورة ، وذلك لمكان الحاجة إلى الردف ، وأما أبو علي الفارسي فذهب إلى أنه وضع الحوادث موضع الحدثان كما وضع الآخر الحدثان موضع الحوادث في قوله :* ألا هلك الشهاب المستنير *البيتين الآتيين برقم 470 » اه .
ولكن خيرا من هذا التخريج أن يقال : إن الحوادث جمع تكسير ، وإن جمع التكسير لكونه لم يسلم فيه بناء المفرد يصح أن يعود إليه الضمير من الفعل والوصف مذكرا أو مؤنثا - سواء أكان مفرده مذكرا أم كان مفرده مؤنثا - وقد تنبّه لهذا بعض التنبه الأعلم حيث يقول « الشاهد فيه حذف التاء من أودت ضرورة ، ودعا إلى حذفها أن القافية مردفة بالألف ، وسوغ له حذفها أن تأنيث الحوادث غير حقيقي ، وهي في معنى الحدثان » اه . وقد قلنا « إنه تنبّه بعض التنبّه » لأنه تنبّه إلى أن تأنيث الحوادث غير حقيقي ، ولم يكن تنبّه كاملا لأنه جعل ترك التاء في مثل هذا ضرورة ، ولأنه عاد فقال « وهي في معنى الحدثان » والصواب أن التعليل لترك التاء ههنا هو أن مرجع الضمير جمع تكسير ، وجمع التكسير يصح أن ينظر إليه على أنه جمع فيكون مذكرا ولو كان مفرده مؤنثا ، وأن ينظر إليه على أنه جماعة فيكون مؤنثا ولو كان مفرده مذكرا ، والوجهان جائزان في سعة الكلام عند علماء المصرين الكوفة والبصرة فما بالهم قد تركوا هذه القاعدة هنا ، ورجعوا إلى أصل الكلام الأصيل ، وانظر لذلك بحثا وافيا كتبناه في شرحنا على شذور الذهب ( ص 171 - 174 ) .
ومما ورد فيه إسناد الفعل إلى جمع التكسير الذي واحده مؤنث من غير أن يلحق بالفعل تاء التأنيث قول الشاعر ، وأنشده القالي ( الأمالي 2 / 281 ط الدار ) :فما لك إذ ترمين يا أم مالك * حشاشة قلبي ، شل منك الأصابعألا تراه قد قال « شل الأصابع » والأصابع جمع إصبع ، والإصبع مؤنثة ، بدليل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « هل أنت إلا إصبع دميت » وقد جاء الفعل المسند إلى الأصابع مؤنثا في بيت الفرزدق المشهور :إذا قيل : أي الناس شر قبيلة * أشارت كليب بالأكف الأصابعأي أشارت الأصابع إلى كليب مصاحبة الأكف . وقد أثرنا لك في شرح الشاهد 470 كلمة لابن يعيش صريحة في ذلك . وفي هذا القدر كفاية وغناء إن شاء اللّه تعالى .