تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 628

مساهمون:

ص٦٢٨
لأنهم حملوه على المعنى ، كأنهم قالوا : شيء طالق ، أو إنسان طالق ، كما قالوا : رجل ربعة ، فأنثوا والموصوف مذكر على معنى نفس ربعة ، وكما جاء في الحديث « مذ دجت الإسلام » لأن الإسلام بمعنى الملّة ، وكما حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال : سمعت أعرابيا يمانيا يقول : فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها ، فقلت له : أتقول « جاءته كتابي » ؟ فقال : أليس بصحيفة ؟ والحمل [ 323 ] على المعنى كثير في كلامهم ، قال الشاعر :
قامت تبكّيه على قبره * من لي من بعدك يا عامر ؟ [ 327 ] تركتني في الدّار ذا غربة * قد ذلّ من ليس له ناصر
فقال « ذا غربة » ولم يقل « ذات غربة » ؛ لأن المرأة في المعنى إنسان . وقال الآخر : [ 468 ]
إنّ السّماحة والمروءة ضمّنا * قبرا بمرو على الطّريق الواضح
شرح
- وذلك كله يجري على الفعل على تقدير حاضت وطلقت ، هذا مذهب الخليل ، وسيبويه يتأوّل على أنه صفة شيء أو إنسان ، والشيء مذكر ، فكأنهم قالوا : شيء حائض ، لأن الشيء عام يقع على المذكر والمؤنث » اه . وخلاصة هذا الكلام أن ما كان وصفا للمؤنث وليس فيه علامة تأنيث كحائض وطالق وطامث لشيوخ البصرة فيه تأويلان : الأول تأويل الخليل ، وحاصله أن هذا الوصف لا يراد به الحدوث ، وإنما يراد به أنه قائم بصاحبه وأن صاحبه منسوب إليه ، فمعنى « امرأة حائض » أنها منسوبة إلى الحيض وإن كانت خالية من دم الحيض حين إطلاق الوصف عليها فعلا ، ومعنى « امرأة مرضع » أنها منسوبة إلى الرضاع نعني أن لها ولدا في زمن الرضاع ، ويقال لها مرضع ولو لم تكن ترضع وقت إطلاق الوصف عليها فعلا ، فإذا أردت بحائض أن الدم الذي يسمى الحيض يقطر منها أو أردت بمرضع أن ثديها في فم ولدها لم يكن لك بد من أن تلحقها التاء فتقول حائضة ومرضعة ، وهذا هو الذي يسمونه جاريا على الفعل ، والتأويل الثاني تأويل سيبويه ، وخلاصته أنه تأول الموصوف بهذه الصفات الخالية من علامة التأنيث بمذكر ، فجعل المرأة بمعنى شيء أو بمعنى إنسان ليصح وصفه بالمذكر ، وقد علمت أن مذهب الكوفيين أنه لا يلزم اقتران علامة التأنيث بالوصف الجاري على المؤنث متى كان هذا الوصف مما لا يوصف به المذكر ، وفي هذا القدر كفاية ومقنع . [ 468 ] هذا البيت من قصيدة لزياد الأعجم يرثي فيها المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة وقد أنشد هذه القصيدة ابن عبد ربّه في العقد ( 3 / 288 اللجنة ) وأنشدها أكمل منه أبو علي القالي في ذيل الأمالي ( ص 8 الدار ) وقد أنشد بيت الشاهد ابن هشام في شرح الشذور ( رقم 77 ) والسيد المرتضى في أماليه ( 1 / 72 ) والعباسي في معهد التنصيص ( 261 بولاق ) والبيت كناية عن ثبوت صفتي السماحة والمروءة للمرثى ، ونظيره في هذا قول زياد أيضا :إن السماحة والمروءة والندى * في قبة ضربت على ابن الحشرج-