ومنهم من تمسّك بأن قال : إنما حذفوا علامة التأنيث من « طالق » ونحوه
شرح
- وغيرها ، كل هذا على المجاز ، والمنون : المنية وهي الموت ، وأنى : أي أدرك وبلغ مداه ، وقوله « ولكل حاملة تمام » تذييل ، يريد أن لكل حمل مدة ينتهي فيها وتتم مدته . ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله « حاملة » حيث جاء بهذا الوصف متصلا بتاء التأنيث مع أنه خاص بالإناث لا يوصف به غيرهن ، وذلك لأنه جعله وصفا جاريا على الفعل ، على نحو ما ذكرناه في الشواهد السابقة ، قال ابن منظور « وامرأة حامل وحاملة ، على النسب وعلى الفعل ( يريد أنه يقال حامل على النسب ، ويقال حاملة على الفعل ، فهو على طريق اللف والنشر ) الأزهري : امرأة حامل وحاملة ؛ إذا كانت حبلى ، وفي التهذيب : إذا كان في بطنها ولد ، وأنشد لعمرو بن حسّان :* تمخّضت المنون . . . البيت *فمن قال حامل - بغير هاء - قال : هذا نعت لا يكون إلا للمؤنث ، ومن قال حاملة بناه على حملت فهي حاملة ، فإذا حملت المرأة شيئا على ظهرها أو على رأسها فهي حاملة لا غير ، لأن الهاء إنما تلحق للفرق ، فأما ما لا يكون للمذكر فقد استغنى فيه عن علامة التأنيث ، فإذا أتى بها فإنما هو على الأصل ، قال : هذا قول أهل الكوفة ، وأما أهل البصرة فإنهم يقولون :
هذا غير مستمر ؛ لأن العرب قالوا : هذا رجل أيم ، وامرأة أيم ، ورجل عانس ، وامرأة عانس ، على الاشتراك ، وقالوا : امرأة مصبية ، وكلبة مجرية ، مع غير الاشتراك ، قالوا :
والصواب أن يقال : قولهم حامل وطالق وحائض وأشباه ذلك من الصفات التي لا علامة فيها للتأنيث ، فإنما هي أوصاف مذكرة وصف بها الإناث ، كما أن الربعة والراوية والخجأة أوصاف مؤنثة وصف بها الذكران » اه كلامه ، وهو كلام غير محدود ولا معلل ، وخلاصته أن الأصل أن يكون وصف المؤنث بعلامة تأنيث ، ووصف المذكر بغير علامة ، ولكنهم قد يعكسون فيجعلون وصف المذكر مقترنا بعلامة التأنيث ووصف المؤنث خاليا من علامة التأنيث ، والكلام الدقيق هو ما قاله أبو البقاء بن يعيش في شرح المفصّل ( ص 695 ) وذلك قوله « اعلم أنهم قالوا : امرأة طالق وحائض وطامث وقاعد للآيسة من الحيض ، وعاصف في وصف الريح من قوله تعالى :جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌفلم يأتوا فيه بالتاء وإن كان وصفا للمؤنث ، وذلك لأنه لم يجر على الفعل ، وإنما يلزم الفرق ما كان جاريا على الفعل ؛ لأن الفعل لا بد من تأنيثه إذا كان فيه ضمير مؤنث - حقيقيا - كان أو غير حقيقي - نحو هند ذهبت ، وموعظة جاءت ، فإذا جرى الاسم على الفعل لزمه الفرق بين المذكر والمؤنث كما كان كذلك في الفعل ، وإذا لم يكن جاريا على الفعل كان بمنزلة المنسوب ، فحائض بمعنى حائضي - أي ذات حيض - على حد قولهم : رجل دارع ، أي دارعي - بمعنى صاحب درع - ألا ترى أنك لا تقول درع فتجريه على فعل - كفرح - إنما قولك دارع أي ذو درع ، وطالق أي أن الطلاق ثابت فيها ، ومثله قولهم : مرضع ، أي ذات رضاع ، ومنه قوله تعالى :السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِأي ذات انفطار ، وليس ذلك على معنى حاضت وانفطرت ، إذ لو أريد ذلك لأتوا بالتاء وقالوا : حائضة غدا ، وتطلق غدا ، ومنه قوله تعالى :يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْوقوله تعالى :وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةًوقول الشاعر :رأيت جنون العام والعام قبله * كحائضة يزني بها غير طاهر-