تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
خالفت « أيّ » أخواتها فيما ذكرناه زال تمكنها ؛ لأن كل شيء خرج عن بابه زال تمكنه ، فوجب أن تبنى إذا استعملت على خلاف ما استعمل عليه أخواتها ، كما أن « يا أللّه » لما خالفت سائر ما فيه الألف واللام لم يحذفوا ألفه ، وكذلك « ليس » لما لم تتصرف تصرف الفعل تركت على هذه الحال ، ألا ترى أن أصل « ليس » ليس ، مثل صيد البعير ، وصيد البعير يجوز فيه التخفيف فيقال « صيد البعير » ويجب في ليس التخفيف ، ولا يجوز أن يؤتى به على الأصل كما جاز أن يؤتى بصيد على الأصل ؛ لأن ليس لم تتصرف تصرف الفعل ، بخلاف صيد ، ويدل عليه أيضا أنك لو قلت « صيدت يا بعير » لوجب أن ترد الفعل إلى أصله من الكسر ، ولو قلت « ليست » لم يجز رده إلى الأصل ، كلّ ذلك لمخالفته الفعل في التصرف وخروجه عن مشابهة نظائره ، فكذلك هاهنا : لما خالفت [ أيّ ] سائر أخواتها وخرجت عن مشابهة نظائرها وجب بناؤها ، وإنما وجب بناؤها على الضم لأنهم لما حذفوا المبتدأ من صلتها بنوها على الضم ، لأنه أقوى الحركات . والذي يدلّ على صحة هذا التعليل وأنهم إنما بنوها لخلاف « 1 » المبتدأ أنا أجمعنا على أنهم إذا لم يحذفوا المبتدأ أعربوها ولم يبنوها فقالوا « ضربت أيّهم هو في الدّار » بالنصب ؛ وإنما حسن حذف المبتدأ من صلة « أيّ » ولم يحسن حذفه مع غيرها من أخواتها لأن « أيّ » لا تنفك عن الإضافة ، فيصير المضاف إليه عوضا عن حذف المبتدأ ؛ بخلاف غيرها من أخواتها ؛ فلهذا حسن الحذف مع « أي » دون سائر أخواتها . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما احتجاجهم بقراءة من قرأ ثم لننزعن [ 301 ] من كل شيعة أيَّهم أشد بالنصب - فهي قراءة شاذة جاءت على لغة شاذة لبعض العرب ، ولم يقع الخلاف في هذه اللغة ، ولا في هذه القراءة ؛ وإنما وقع الخلاف في اللغة الفصيحة المشهورة ، والقراءة المشهورة التي عليها قراءة الأمصار
« أَيُّهُمْ »
بالضم ، وهي حجّة عليهم . قولهم : « إن الضمة فيها ضمة إعراب لا ضمة بناء ، وإنه مرفوع لأنه مبتدأ لأن قوله :
( لَنَنْزِعَنَّ )
عمل في من وما بعدها ، واكتفى الفعل بما ذكر معه كقولهم : قتلت من كل قبيل » قلنا : هذا خلاف الظاهر ؛ لأن قوله :
( لَنَنْزِعَنَّ )
فعل متعدّ ؛ فلا بد أن يكون له مفعول إما مظهر أو مقدر ، و « أيَّهم » يصلح أن يكون مفعولا ، وهو ملفوظ به مظهر ، فكان أولى من تقدير مفعول مقدر .
هامش
( 1 ) كذا ، وأظن أصل العبارة « لحذف المبتدأ » .